تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26

وقد اعتنق كثير من الشيعة مذهب البداء وطبقوه في كثير مسائلهم التاريخية، وقال أحد أئمتهم: «لا يعبد الله بأحسن من القول بالبداء.» لأنه يفتح باب التوبة في طلب العفو من الله، وكان اليهود أقوى المعارضين في البداء.

27

كذلك انتقل إلى المسلمين ما دار بين اليهود في التشبيه؛ فقد وضعت للبحث الآيات القرآنية التي تشعر بذلك، مثل

يد الله فوق أيديهم

الرحمن على العرش استوى

ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ... إلخ. وما ورد في الحديث كقوله: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن.» وانقسم المسلمون فيها أقساما؛ فقال قوم من السلف نؤمن بذلك ولا تتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعا أن الله لا يشبه شيئا من المخلوقات، وذهب جماعة من غلاة الشيعة وجماعة من أصحاب الحديث الحشوية إلى التشبيه، وقالوا إنه يجوز عليه الانتقال والنزول والصعود والاستقرار ... إلخ. فحذوا في ذلك حذو اليهود في اختلافهم. ويقول الشهرستاني في الكلام على المشبهة: إنهم أجروا الأحاديث الواردة في ذلك على ما يتعارف في صفات الأجسام، وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها، ونسبوها إلى النبي (عليه السلام) وأكثرها مقتبس، من اليهود، فإن التشبيه فيهم طباع حتى قالوا في الله تعالى اشتكت عيناه فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وإن العرش ليئط من تحته كأطيط الرحل الجديد. وروى المشبهة عن النبي أنه قال: «لقيني ربي فصافحني وكافحني، ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله ...» إلخ.

28

ويقول في موضع آخر: «ولقد كان الشبيه صرفا خالصا في اليهود لا في كلهم، بل في القرائين منهم؛ إذ وجدوا في التوراة ألفاظا كثيرة تدل على ذلك.»

29

وقال الشيعة في الرجعة على نحو ما قال اليهود؛ قد كان عند اليهود أن النبي «إلياس» صعد إلى السماء، وسيعود فيعيد الدين والقانون، فقال ابن سبأ اليهودي (كما حكى ابن حزم) لما قتل علي: «لو أتيتمونا بدماغه ألف مرة ما صدقنا موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا». ونمت هذه الفكرة عند الشيعة؛ فقالوا كذلك في بعض الأئمة الذين اختفوا، ثم قالوا كذلك في المهدي المنتظر.

فترى من هذا أن كثيرا من المسائل الكلامية وغيرها، كان منبعها اليهود، وأنها قيلت على مثال ما قالوا. وحق قول رسول الله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن!»

وكان بعض المتكلمين في العقائد من أصل يهودي، كبشر المريسي، وله آراء كثيرة انفرد بها، وكرهه الناس من أجلها حتى كادوا يقتلونه، وكان من أشهر القائلين بخلق القرآن.

وروى ابن قتيبة: «أن هارون الأعور بن موسى أحد القراء كان يهوديا ثم أسلم، قال الأصمعي: قال هارون: كنت أقرأ إيذام بالعبرانية يعني آدم.»

30

ودخلت كتب الأدب نصائح يهودية تروى عن أنبيائهم وصلحائهم، كالذي روي أن شعياء قال لبني إسرائيل: «إن الدابة تزداد على كثرة الرياضة لينا، وقلوبكم لا تزداد على كثرة الموعظة إلا قسوة، إن الجسد إذا صلح كفاه القليل من الطعام، وإن القلب إذا صلح كفاه قليل من الحكمة! كم من سراج أطفأته الريح، وكم من عابد أفسده العجب! يا بني إسرائيل اسمعوا قولي، فإن قائل الحكمة وسامعها شريكان، وأولاهما بها من حققها بعمله.»

31

وقد ذهب بعض الباحثين (كالأستاذ شوفان) إلى أن بعض قصص ألف ليلة وليلة من أصل يهودي.

وعلى كل حال، فقد كانت هناك ثقافة يهودية، بعضها صحيح علميا وبعضها غير صحيح. بعضها أخذ عن أهل العلم بالكتاب، وبعضها أخذ عن عوام اليهود، وهذا وذاك نفذ منه إلى المسلمين شيء غير قليل، وتجادل اليهود والمسلمون كل يدعو إلى دينه ويقيم الحجة على صحته، وقد حكت لنا الكتب الكثير من هذا الجدل، من أقدمها ما روي عن أوس من بني قريظة؛ فقد أسلمت امرأته ودعته أن يسلم فأبى وقال:

ضحى الإسلام · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٢٩