23
ولما مات تبع الناس كلهم جنازته حتى لم يبق بالمسجد من يصلي العصر، ولم يستنكر الناس عمل الحجاج في قتله الآلاف من العرب والموالي، كما استنكروا قتل سعيد بن جبير وهو مولى؛ لعلمه ودينه!
هذا الذي ذكرنا هو الذي يفسر لنا ما يروى في كتب التاريخ والسير من قصص مختلفة، تدل على احتقار الموالي حينا واحترامهم حينا. ويظن الظان لأول وهلة أن بينهما تضاربا، والحق أن لا تضارب، وأن الأوساط السياسية وأوساط أشراف القبائل وأوساط البدو كانت تحقر الموالي، وأن الأوساط الدينية والعلمية ما كانت تتعصب لجنس ولا دم، وإنما كانت تتعصب للدين والعلم، وتقومهما حيث كانا. •••
كان يقابل هذه العصبية العربية عصبية أخرى، من الموالي، وخاصة الفرس؛ فقد تملكهم العجب، كيف غلبهم العرب! وعبر بعضهم عن هذا المعنى: بأن حكم العرب لهم ضرب من سخرية القدر! وكانوا يفخرون على العرب بمجدهم القديم، وعزهم التالد، وأنهم أهل الحضارة العظيمة، ومن عرفوا كيف يسوسون الملك، ويدبرون الحكم. وأنهم لما حكموا لم يكن لهم إلى العرب حاجة، ولما حكم العرب لم يستطيعوا أن يحكموا إلا بمعونتهم.
لم تكن عند الفرس نزعة قبلية، ولم يكونوا يعنون بالأنساب عناية العرب بها،
24
وإنما كانوا يتعصبون أحيانا للبلدان؛ فقد كان أهل خراسان مثلا من أشد الناس عصبية بعضهم لبعض. وكانت العصبية القوية عندهم العصبية للأمة. وذلك طبيعي؛ لأنهم قطعوا من عهد بعيد طور البداوة، وتحضروا، وكانوا أمة بكل معناها الصحيح، وبدأوا يفخرون على العرب في العهد الأموي؛ كالذي رأيت من شعر إسماعيل بن يسار،
25
فقد كان يتغنى دائما بمجد الفرس، ودخل على هشام بن عبد الملك في خلافته، فاستنشده فأنشده قصيدة يقول فيها:
إني وجدك ما عودي بذي خور
عند الحفاظ، ولا حوضي بمهدوم!
أصلي كريم، ومجدي لا يقاس به!
ولي لسان كحد السيف مسموم!
أحمي به مجد أقوام ذوي حسب
من كل قرم بتاج الملك معموم
26
جحاجح سادة بلج مرازبة
جرد عتاق مساميح مطاعيم
27
من مثل كسرى وسابور الجنود معا
والهرمزان لفخر أو لتعظيم؟!
أسد الكتائب يوم الروع إن زحفوا
وهم أذلوا ملوك الترك والروم!
يمشون في حلق الماذي سابغة
مشي الراغمة الأسد اللهاميم
28
هناك إن تسألي تنبي بأن لنا:
جرثومة قهرت عز الجراثيم
فغضب هشام، وقال أعلي تفتخر، وإياي تنشد قصيدة تمدح بها نفسك وأعلاج قومك؟ غطوه في الماء، فغطوه في البركة حتى كادت نفسه تخرج، ثم أمر بإخراجه وهو يشر، ونفاه من وقته إلى الحجاز.
29
ولكن هذه النزعة صدها الأمويون صدا عنيفا، وعاقبوا عليها في قوة وجبروت، فتحولت من فخر ظاهر إلى دعوة سرية، وكانت الدعوة العباسية.
غير أننا نقرر هنا كالذي قررناه من قبل؛ وهو أن هذه النزعة لم تكن نزعة الفرس عامة، فمنهم من دخل الإسلام إلى أعماق نفوسهم، كمن سميناهم من التابعين، ولم ينسوا أن للعرب عليهم نعمة لا تقدر؛ وهي: أنهم هدوهم إلى الإسلام، واستنقذوهم من ضلال المجوسية إلى هداية الوحدانية. في الأوساط العلمية والدينية كان الفرس لا يؤمنون بعربية وفارسية، إنما يؤمنون بإسلام سوى بين الناس أجمعين، ولكن كثيرا من سواد الناس ومن أشارف الفرس كانوا يكرهون العرب، وخاصة الحكام والبيت الأموي. روى صاحب الأغاني: «أن إسماعيل بن يسار استأذن على الغمر بن يزيد بن عبد الملك يوما فحجبه ساعة، ثم أذن له، فدخل يبكي، فقال الغمر: يا أبا فائد تبكي؟ قال: وكيف لا أبكي ، وأنا على مروانيتي ومروانية أبي أحجب عنك. فجعل الغمر يعتذر إليه وهو يبكي. فما سكت حتى وصله الغمر بجملة لها قدر، وخرج من عنده فلحقه رجل. فقال له: أخبرني ويلك يا إسماعيل أي مروانية كانت لك أو لأبيك؟ قال: بغضنا إياهم، امرأته طالق إن لم تكن أمه تلعن مروان وآله كل يوم مكان التسبيح، وإن لم يكن أبوه حضره الموت، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: لعن الله مروان، تقربا بذلك إلى الله تعالى، وإبدالا له من التوحيد، وإقامة له مقامه!»