21
وما زالت هذه الإسرائيليات تكثر وتنمو، حتى امتلأت بها الكتب؛ أمثال قصص الأنبياء للثعلبي.
وعني المسلمون بنقل تاريخ بني إسرائيل وأنبيائهم كما فعل الطبري في تاريخه، وكما فعل ابن قتيبة في كتابه المعارف. وقد أثبت العلم أن كثيرا مما نقل من تاريخ بني إسرائيل غير صحيح؛ مما يدل على أن الروايات التي نقلت كان كثير منها ينقل عن العوام وأشابههم. ونجد ابن قتيبة يقارن بين ما يرويه وهب بن منبه، وبين ما في التوراة، ويبين أحيانا ما بينهما من خلاف.
وكان لليهود أثر غير قليل في بعض المذاهب الإسلامية، فابن الأثير يروي عند الكلام على أحمد بن أبي دواد: «أنه كان داعية إلى القول بخلق القرآن، وغيره من مذاهب المعتزلة، وأخذ ذلك عن بشر المريسي، وأخذ بشر عن الجهم بن صفوان، وأخذه الجهم عن الجعد بن درهم، وأخذه الجعد عن أبان بن سمعان، وأخذه أبان عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم وختنه، وأخذه طالوت عن ختنه، لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي
صلى الله عليه وسلم ، وكان لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت، وكان زنديقا فأفشى الزندقة.»
22
وروى صاحب العقد الفريد عن الشعبي أنه قال لمالك بن معاوية: «أحذرك الأهواء المضلة، وشره الرافضة، فإنها يهود هذه الأمة، يبغضون الإسلام كما يبغض اليهود النصرانية. ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتا بأهل الإسلام وبغيا عليهم، وقد حرقهم علي بن أبي طالب ... وذلك أن محبة الرافضة محبة اليهود. قالت اليهود لا يكون الملك إلا في آل داود، وقالت الرافضة لا يكون الملك إلا في آل علي بن أبي طالب، وقالت اليهود لا يكون جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح المنتظر وينادي مناد من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي وينزل بسبب من السماء.
واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم، وكذلك الرافضة، واليهود لا ترى الطلاق الثلاث شيئا، وكذا الرافضة. واليهود لا ترى على النساء عدة، وكذا الرافضة، واليهود تستحل دم كل مسلم، وكذلك الرافضة، واليهود حرفوا التوراة، وكذلك الرافضة حرفت القرآن، واليهود تنتقص جبريل وتقول هو عدونا من الملائكة، وكذلك الرافضة تقول غلط جبريل في الوحي إلى محمد يترك علي بن أبي طالب، واليهود لا تأكل لحم الجزور وكذلك. الرافضة ...» إلخ.
23
واجه اليهود كثيرا من المسائل، وبحثوا عنها، واختلفوا فيها؛ فقد بحثوا في النسخ، وقالوا إن الشريعة لا تكون إلا واحدة، وقد بدأت بموسى وتمت به، فلا يجوز النسخ لأن النسخ في الأوامر بداء ولا يجوز البداء على الله.
وتكلموا في التشبيه؛ لأنهم وجدوا التوراة مملوءة بألفاظ تشعر بالتشبيه مثل الصورة والمشافهة، والتكلم جهرا، والنزول على طور سيناء، والاستواء على العرش، وجواز الرؤية.
وتعرضوا للرجعة (أي رجوع بعض الأفراد إلى الحياة بعد الموت)، وجاءهم ذلك من أن عزيرا أماته الله مائة عام ثم بعثه. وقالوا إنه مات وسيرجع، وقال بعضهم غاب وسيرجع.
24
وهذه الأقوال والخلافات كلها تسربت إلى المسلمين عمن أسلم من اليهود، فرأينا المسلمين يبحثون في جواز النسخ في القرآن، كما بحث اليهود في نسخ التوراة. ويذهب جمهور المسلمين إلى جواز نسخ الحكم دون النص، وإلى أن ذلك وقع فعلا، ويخالف في وقوعه أبو مسلم الأصفهاني. ونرى المسلمين في كتب أصول الفقه (عند الكلام على النسخ) يناقشون اليهود في رأيهم، يجادلونهم ويردون عليهم.
25
مما يؤيد وجهة نظرنا في أن اليهود هم السبب في إثارة هذه المسألة، ورأينا بعض الشيعة يرى البداء الذي أنكره اليهود. وأقدم من قال به المختار بن عبيد الذي كان يدعو لمحمد بن الحنفية. ويقول الشهرستاني: «إنما صار المختار إلى البداء؛ لأنه كان يدعي علم ما يحدث من الأحوال إما بوحي يوحى إليه، وإما برسالة من قبل الإمام، فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء وحدوث حادثة فإن وافق كونه قوله جعله دليلا على صدق دعواه، وإن لم يوافق قال قد بدا لربكم، وكان لا يفرق بين النسخ والبداء فإذا جاز النسخ في الأحكام جاز البداء في الأخبار.»