تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

وفي الحديث عن أبي هريرة قال: «كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها لأهل الإسلام بالعربية، فقال رسول الله

صلى الله عليه وسلم : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا، وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد.»

18

ويروون عن وهب بن منبه انه كان يقول: «لقد قرأت اثنين وتسعين كتابا، كلها أنزلت من السماء، اثنان وسبعون منها في الكنائس، وفي أيدي الناس، وعشرون لا يعلمها إلا قليل.»

19

تسربت هذه الثقافة اليهودية إلى المسلمين من طرق أهمها: من دخل في الإسلام من اليهود، وخاصة مسلمة اليمن؛ ككعب الأحبار، ووهب بن منبه وأمثالهما، وقد دخل في الإسلام من اليهود كثيرون، كان منهم بعض الصحابة وبعض التابعين، وظلوا يتتابعون إلى عصرنا الذي نؤرخه، وكان منهم محدثون ومنهم قصاص ، ومنهم قراء، ومنهم أخباريون، وأشهر من عرفنا في عصرنا هذا ممن أصله يهودي: أبا عبيدة معمر بن المثنى.

والآن نعرض أنواع المعارف التي تأثرت باليهود:

فأول ذلك تفسير القرآن؛ ذلك أن القرآن الكريم والتوراة يتفقان - كما رأيت - في إيراد بعض المسائل، وخاصة في قصص الأنبياء، ولكن للقرآن منحى يخالف منحى التوراة؛ إنه يقتصر على مواضع العظة، ولا يتعرض لتفصيل جزئيات المسائل، فهو لا يذكر - غالبا - تاريخ الوقائع، ولا أسماء البلدان التي حصلت فيها، ولا أسماء الأشخاص الذين جرت على يدهم بعض الحوادث، ولا يدخل في تفاصيل الجزئيات، إنما يتخير ما يمس جوهر الموضوع وموضع العبرة.

لنأخذ لذلك مثلا قصة آدم؛ فقد وردت في القرآن الكريم في مواضع أطولها ما ورد في سورة البقرة منها

وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم * قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .

فترى من هذا أن القرآن لم يتعرض لمكان الجنة، ولا لنوع الشجرة التي نهى آدم عن الأكل منها، ولا بين الحيوان الذي تقمصه الشيطان ليزلهما، ولا ما كان من تفصيل الحوار بين الله تعالى وآدم، ولا للبقعة التي طرد إليها آدم بعد خروجه من الجنة ... إلخ. ولكن التوراة تعرضت لكل ذلك وأكثر منه، فأبانت أن الجنة في عدن شرقا، وأن الشجرة التي نهيا عنها كانت في وسط الجنة، وأنها شجرة الحياة، وأنها شجرة معرفة الخير والشر، وأن الذي خاطب حواء هو الحية، وذكرت ما انتقم الله به من الحية التي أغوتهما بأن جعلها تسعى على بطنها وتأكل التراب، وانتقم من حواء بتعبها هي ونسلها فيحبلها ... إلخ، فجاء المفسرون للقرآن ينقلون عن مسلمة اليهود ما جاء في كتبهم، ويضعونه شروحا، فيحكي الطبري مثلا عن وهب بن منبه أن هذه الشجرة كان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، فلما أراد إبليس أن يستزلهما دخل في جوف الحية، وكانت للحية أربع قوائم كأنها بختية من أحسن دابة خلقها الله، فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته ... إلخ، فلما أكلا قال الله لحواء: يا حواء، أنت التي غررت عبدي فإنك لا تحملين حملا إلا حملته كرها فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفت على الموت مرارا، وقال للحية: أنت الذي دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي، ملعونة أنت لعنة تتحول قوائمك في بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب ... إلخ. وروي عن ابن عباس نحو هذه القصة.

20

ونقرأ تفسير الطبري على هذه الآيات فيتجلى لك بوضوح أنهم أخذوا ما في التوراة وشروحها، والأخبار التي رويت حولها، ووضعوها تفسيرا لآيات القرآن الكريم. وهم يروون ذلك عن وهب بن منبه تارة، وعن إسرائيل عن أسباط عن السدي مرة أخرى. وهكذا فعلوا في كل ما ورد في القرآن من قصص وردت في التوراة. ولم يكن كل هؤلاء اليهود علماء باليهودية مدققين، بل كان منهم عوام يعرفون كما يقول ابن خلدون ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٢٧