كأن لم يكن في القصر مقاتل
وزورة ظل ناعم وصديق
ولم أرد البطحاء أمزج ماءه
بخمر من البروقتين عتيق
معي كل فضفاض الثياب كأنه
إذا ما جرى فيه المدام فتيق
بنو الصلب والحداء كل سميدع
له في العروق الصالحات عروق
وإني وإن كانوا نصارى أحبهم
ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق
10
ويقول أبو نواس:
سألت أخي أبا عيسى
وجبريل له عقل
11
فقلت: الراح تعجبني
فقال كثيرها قتل
رأيت طبائع الإنسا
ن أربعة هي الأصل
فأربعة لأربعة
لكل طبيعة رطل
وبعد، فقد كان لكل من اليهودية والنصرانية ثقافة، وقد تسرب إلى المسلمين شيء منها، فلنحاول بيان ذلك.
اليهودية
أهم منبع للثقافة اليهودية التوراة، وقد ذكرت في القرآن الكريم، ووصفت بأنها كتاب من كتب الله المنزلة
إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ، وورد فيه أن عيسى أتى بعد مصدقا لما في التوراة
وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين . وقد نص القرآن على بعض أحكام وردت في التوراة
وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ، وأشير في الأحاديث كذلك إلى التوراة، وذكر فيها بعض أحكامها.
من ذلك ما روى أبو داود عن ابن عمر، قال: أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إلى القف، فأتاهم في بيت المدراس، فقالوا: يا أبا قاسم، إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم، فوضعوا لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
وسادة فجلس عليها، ثم قال: ائتوني بالتوراة فأتى بها، فنزع الوسادة من تحته، ووضع التوراة عليها، ثم قال: «آمنت بك وبمن أنزلك.» ثم قال: «ائتوني بأعلمكم.» فأتي بفتى شاب، ثم ذكر قصة الرجم.
12
وقد اختلفت أنظار المسلمين إلى التوراة على أقوال ثلاثة؛ فقال قوم إنها كلها أو أكثرها مبدلة مغيرة، ليست هي التوراة التي أنزلها الله على موسى، وتعرض هؤلاء لتناقضها، وتكذيب بعضها لبعض.
13
وذهبت طائفة أخرى من أئمة الحديث والفقه والكلام إلى أن التبديل وقع في التأويل لا في التنزيل، وهذا مذهب البخاري، قال في صحيحه:
يحرفون الكلم عن مواضعه
يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله تعالى، ولكنهم يتأولونه على غير تأويله، وهذا هو ما اختاره الرازي في تفسيره. ومن حجة هؤلاء أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها، ولا يعلم عدد نسخها إلا الله، ومن الممتنع أن يقع التواطؤ على التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ؛ بحيث لا يبقى في الأرض نسخة إلا مبدلة مغيرة، والتغيير على منهاج واحد وهذا ما يحيله العقل ويشهد ببطلانه. قالوا: وقد بين الله تعالى لنبيه عليه السلام محتجا على اليهود بها:
قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ... إلخ. وذهبت طائفة ثالثة إلى أنه قد زيد فيها، وغير ألفاظ يسيرة، ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه، والتبديل في يسير منها جدا. وممن اختار هذا القول ابن تيمية في كتابه «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ومثل لذلك بما جاء فيها: «إن الله سبحانه وتعالى قال لإبراهيم عليه السلام: اذبح ولدك بكرك أو واحدك إسحاق.»، فإسحاق زيادة منهم في لفظ التوراة، لأدلة ذكروها.
14
وكلمة التوراة يستعملها المسلمون كثيرا للدلالة على كل الكتب المقدسة عند اليهود، فتشمل الزبور وغيره، كما يستعملها اليهود أنفسهم أحيانا.
وكان لليهود بجانب ذلك سنن ونصائح وشروح، لم تنقل عن موسى عليه السلام كتابة، وإنما تدوول نقلها شفاها، ونمت على تعاقب الأجيال، ثم دونت بعد، وهذا هو المسمى بالتلمود، والتلمود مختلف فيه فيما بينهم، فمنهم من يقبله وهم طائفة الربانيين، ومنهم من لا يقبله وهم طائفة القرائين.
فأما التوراة بالمعنى الدقيق فخمسة أسفار؛ السفر الأول سفر التكوين أو الخلق، وقد ذكر فيه خلق العالم، وقصة آدم وحواء وأولادهما، ونوح والطوفان، وتبلبل الألسن، ثم قصة إبراهيم عليه السلام وابنه إسحاق وابنيه يعقوب وعيصو، ثم قصة يوسف.