2 ... إلخ.
وقد وقع في أيام أبي يوسف القاضي؛ أن مسلما قتل كافرا، فحكم على المسلم بالقود، فقال أحد الشعراء:
يا قاتل المسلم بالكافر
جرت وما العادل كالجائر
يا من ببغداد وأطرافها
من علماء الناس أو شاعر
استرجعوا وابكوا على دينكم
واصطبروا فالأجر للصابر
جار على الدين أبو يوسف
بقتله المؤمن بالكافر
وخاف الرشيد الفتنة؛ فأمر أبا يوسف أن يتدارك الأمر بحيلة لئلا تكون فتنة، فطالب أبا يوسف أصحاب الدم ببينة على الذمة
3
وثبوتها، فلم يأتوا فأسقط القود.
4
وكان الشافعي يرى أن القود لا بد فيه من تساوي القاتل والمقتول في الحرية والإسلام، فإن فضل القاتل المقتول بحرية أو إسلام، فقتل حر عبدا، أو مسلم كافرا فلا قود عليه.
وكان الشافعي يرى أنه يصح أن يشترك أهل الذمة من يهود ونصارى في الحروب مع المسلمين (أي أن يجندوا في الجيش الإسلامي) إذا رأى الإمام ذلك، واستدل بأن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
استعان في غزاة خيبر بعدد من يهود بني قينقاع كانوا أشداء، واستعان في غزاة حنين بصفوان بن أمية وهو مشرك، فلا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين، إذا خرجوا طوعا، ويرضخ لهم ولا يسهم لهم.
5
ولسنا نتعرض هنا لعلاقة اليهود والنصارى بالحكومة الإسلامية من حيث الضرائب، وعلاقتهم برؤسائهم، وعلاقة الرؤساء بالخلفاء، ومدى استقلالهم، والمقارنة بين حال النصارى في المملكة الإسلامية، والمسلمين في الممالك النصرانية، وكيف كان اليهود والنصارى يتقاضون في الأصقاع الإسلامية، وعلاقتهم بالقضاة المسلمين، ونحو ذلك من الشئون، فهذا بالتاريخ السياسي أشبه، وإنما غرضنا هنا شرح ما كان لهم من أثر في الثقافة.
كان اليهود والنصارى منتشرين في المملكة الإسلامية، وكانوا عددا كبيرا؛ فقد ذكر بنيامين (أحد الرحالة اليهود الذين رحلوا سنة 1165م؛ أي نحو سنة 560 هجرية) أن «عدد اليهود في المملكة الإسلامية غير العرب، كانوا نحو ثلاثمائة ألف»، وكانوا منتشرين على نهر دجلة والفرات، وفي جزيرة ابن عمر والموصل وعكبرة وواسط، وفي بغداد والحلة، والكوفة والبصرة، وفي كثير من بلاد فارس، في همذان وأصفهان وشيراز، وكانوا في غزنة وسمرقند، وكان في فارس بلدتان تسمى كل منهما «اليهودية»، إحداهما بجرجان، والأخرى بأصبهان. وكان ببغداد إذ ذاك نحو ألف يهودي، وكان فيها درب يسمى درب اليهود، نسب إليه قوم من المحدثين؛ منهم أبو محمد عبد الله بن عبيد الله بن يحيى اليهودي.
6
وفي أوائل القرن الثالث الهجري كان يجبى من الجزية من أهل بغداد مائة وثلاثون ألف درهم، وفي أوائل القرن الرابع كان يجبى منهم ستة عشر ألف دينار. والعددان يدلان على أن من كان ببغداد إذ ذاك من غير المسلمين ممن يدفع الجزية نحو خمسة عشر ألفا.
7
ويقول ابن حوقل: إن النصارى في مدينة الرها وتكريت أكثر عددا.
وكان أغلب الماليين في الشام يهودا، وأغلب أطباء القصور في بغداد نصارى، واشتهر اليهود باحترافهم حرفا خاصة، كالصيرفة ودباغة الجلود والصباغة.
8
وقال الجاحظ: «إن النصارى اتخذوا البراذين الشهرية، والخيل العتاق، واتخذوا الجوقات، وضربوا بالصوالجة، وتحدقوا المدبنى، ولبسوا الملحم والمطبقة، واتخذوا الشاكرية، وتسموا بالحسن والحسين والعباس والفضل وعلي.»
9
على كل حال كان بين المسلمين كثير من أهل الأديان الأخرى، وخاصة اليهود والنصارى، وقد خالطهم المسلمون، بل اتخذوا منهم أصدقاء. قال الجاحظ: أنشدنا أبو صالح مسعود بن قنديل الفزاري في ناس خالطهم من اليهود:
وجدنا في اليهود رجال صدق
على ما كان من دين مريب
لعمرك إنني وابني غريض
لمثل الماء خالطه الحليب
خليلان اكتسبتهما، وإني
لخلة ماجد أبدا كسوب
وقال أبو الطمحان الأسدي (وكان نديما لناس من بني الحداء، وكانوا نصارى فأحمد ندامتهم) فقال: