تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولئن كانت الثقافة الفارسية دونت من قديم وتعاورها التلف والتجديد، وادخرت في كتب سلم منها شيء إلى العهد الإسلامي، فالثقافة العربية كانت كلها في جاهليتها ثقافة شفوية تعتمد على الذاكرة والرواية، وفي الإسلام إنما عني بتدوين القرآن وبعض الحديث. فأما الأدب واللغة فظل أغلبهما كما كان الحال في الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي، يتناقل من طريق الحفظ والرواية، حتى كان آخر الدولة الأموية وأول العباسية فأخذ العلماء في تدوينه.

ولئن كانت الثقافة اليونانية قد مرت بالأدوار الطبيعية للعلم؛ من بحث في مسائل متفرقة، فتنظيم وتبويب، وجمع للمسائل المتشابهة وقواعدها في باب واحد، ووصلت إلى المسلمين بعد أن هذبها المنطق، ورتبتها الأجيال المتعاقبة من فلاسفة اليونان، فالثقافة العربية في عصرنا الذي نؤرخه من لغة وأدب وتاريخ ونحوها كانت في أول دورها من حيث الترتيب والتبويب؛ فنرى الفوضى في كتب اللغة المؤلفة في ذلك العصر، كما رأينا في كتاب الكامل، ولم تجتز الثقافة العربية هذا الدور إلا بعد أن انتهى عصرنا أو كاد.

ومهما يكن من شيء فالثقافة العربية كانت ركنا من أركان الثقافات في ذلك العصر، وعنصرا هاما من عناصرها، لا تقل عن غيرها من العناصر، إن لم تزد عليها، لأن لسانها لسان الحاكمين، ولغتها لغة الدين.

الفصل الحادي عشر

| الثقافات الدينية

اليهودية والنصرانية والإسلام

بجانب هذه الثقافات المدنية - إن صح هذا التعبير - ثقافات أخرى روحية، تنشرها الأديان المختلفة، وأهمها الإسلام والنصرانية واليهودية.

اليهودية والنصرانية

يقول الأستاذ «متز»: «إن مما يميز المملكة الإسلامية عن أوروبا النصرانية في القرون الوسطى؛ أن الأولى يسكنها عدد كبير من معتنقي الأديان الأخرى غير الإسلام، وليست كذلك الثانية، وأن الكنائس والبيع ظلت في المملكة الإسلامية، كأنها خارجة عن سلطان الحكومة، وكلها لا تكون جزءا من المملكة، معتمدة في ذلك على العهود وما أكسبتهم من حقوق، وقضت الضرورة أن يعيش اليهود والنصارى بجانب المسلمين، فأعان ذلك على خلق جو من التسامح لا تعرفه أوروبا في القرون الوسطى. كان اليهودي أو النصراني حرا أن يدين بدينه، ولكنه إن أسلم ثم ارتد عوقب بالقتل. وفي المملكة البيزنطية كان عقاب من أسلم القتل.»

1

كانت الكنيسة تحرم على النصراني أن يتزوج غير نصرانية إلا إذا تنصرت، وكذلك النصرانية لا تتزوج إلا نصرانيا. أما الإسلام فقد حرم على المرأة المسلمة أن تتزوج غير مسلم، وأحل للرجل المسلم أن يتزوج كتابية؛ يهودية أو نصرانية، وإن بقيت على دينها لقوله تعالى

اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب

فكان كثير من المسلمين يتزوجون يهوديات أو نصرانيات، ومنهن من تسلم، ومنهن من تبقى على دينها، وكان هذا سببا من أسباب اتصال المسلمين باليهود والنصارى.

وقد كان بين الحنفية والشافعية خلاف شديد في قتل المسلم بالكافر، فكان الحنفية يرون أن المسلم إذا قتل ذميا قتل به، وخالفهم في ذلك الشافعي. وكان بين الفريقين جدال وحجاج، تراه مبسوطا في كتب الفقه. وكان مما احتج به الحنفية: أن عبيد الله بن عمر بن الخطاب لما قتل أبوه اتهم في الاشتراك في تدبير قتل «جفينة» وكان نصرانيا، فذهب إليه عبيد الله وقتله، ولما علاه بالسيف صلب بين عينيه، فلما استخلف عثمان بن عفان دعا المهاجرين والأنصار. فقال: أشيروا علي في قتل هذا الرجل (يعني عبيد الله بن عمر)، فتق في الدين ما فتق. فاجتمع المهاجرون والأنصار فيه على كلمة واحدة، يأمرونه بالشدة عليه، ويحثونه على قتله؛ فإشارة المهاجرين والأنصار دليل على أن المسلم يقتل بالذمي، ولم يفعل عثمان ذلك؛ لأن عمرو بن العاص أشار عليه بألا يفعل؛ لأن الحادثة كانت قبل أن يتولى عثمان ويكون له على الناس سلطان،

ضحى الإسلام · الصفحة ١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٢٣