تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه نظرة الطائر إلى كتاب الكامل، أردنا بها أن نستدل على أن الكتاب يمثل الثقافة العربية، ونتبين منها الاتجاهات المختلفة التي اتجهتها هذه الثقافة، وعلى أن أنظار المعلمين في ذلك العصر كانت أنظارا فردية لمسائل فردية، فالموضوع الواحد كالسؤدد عند العرب، مفرق في ثنايا الكتاب من أوله إلى آخره، لا يجمع الباب ولا الكتاب، إلا أنه مختار فيه معنى جميل أيا كان، وفيه لغة ونحو، فأما أن تكون أبيات المديح في جانب، والذم والرثاء ونحو ذلك في موضع واحد؛ فليس هذا شأن الكتاب، ولا شأن معلمي ذلك العصر.

قلنا إن المبرد على ما يظهر لم يثقف الا الثقافة العربية، وذلك واضح في كتابه، فلم يتعرض لغيرهم إلا قليلا نادرا، لقد نقل عن بزرجمهر وأردشير ولكن في مواطن معدودة، وورد فيه كلام عن الموالي ولكن نظره إليهم نظر عربي، وقص ما كان بين عبد الله بن عبد الأعلى وأليون ملك الروم، وقد أرسل عمر بن عبد العزيز إليه يدعوه إلى الإسلام. وقص ما كان بين الشعبي وملك الروم، وقص ما كان من استئذان ملك الروم معاوية في أن يغالبه، فبعث إليه ملك الروم برجلين أحدهما طويل، والآخر قوي جسيم ... إلخ، ولكن هذه أمور لا تدل على ثقافة أجنبية لأنها حوادث متصلة بالمسلمين العرب، وقد رواها المبرد ما نقلت إليه عن العرب.

وقلنا إن المبرد عربي أزدي يماني، وكتاب الكامل يمثل هذا النوع من العصبية القبلية تمثيلا صحيحا، فهو يتعصب للأزد ولليمانيين، ويروي الكثير من الصحيح والسقيم لإعلاء شأنهم، فهو يعقد بابا يعنونه «باب ذكر الأذواء من اليمن في الإسلام»، فيذكر فيه الأذواء في الجاهلية، كذي كلاع وذي نواس وذي رعين، وفي الإسلام كخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، ويذكر خبرا عمن كان بينه وبين الملائكة سبب من اليمانية، فسعد بن معاذ الأنصاري هبط لموته سبعون ألف ملك لم يهبطوا إلى الأرض قبلها. وحنظلة بن أبي عامر الأنصاري غسلته الملائكة ... إلخ. هذا في آخر الكتاب وأما في أوله فيختار قول رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في الأنصار: «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع» ، والأنصار من الأوس والخزرج (وهما قبيلتان يمانيتان أزديتان) في قول النسابين، ويختار قول أبي بكر في المهاجرين: «ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي، إني وليت أموركم خيركم فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه.» ويختار الكلام في الخوارج ويطيل لسببين على ما يظهر: (1)

فهو يعارض الجاحظ، وقد ذكر في كتابه الشعوبية. والشعوبية حركة أعجمية تناهض العرب، والخوارج أكثرهم عرب خلص، لهم أدب عربي. (2)

والذي قاتل الخوارج المهلب بن أبي صفرة وبنوه، وهو أزدي كالمبرد، وكان يعاونه الأزديون؛ قبيلة المبرد، فالإشادة بالتنكيل بالخوارج إشادة بقبيلته. وهو في كتاب الكامل يعلي شأن المهلب ويتأول له: «لقد رمي المهلب بالكذب حتى في حديث رسول الله» فهو يذكر أنه إنما كذب في الحرب، والحرب خدعة، والكذب في الحرب جائز. والكتاب مملوء بالأخبار التي تعظم آل المهلب وترفع من شأنهم، ويروي في أخبار الخوارج قول أعشى همدان:

إن المكارم أكملت أسبابها

لابن الليوث الغر من قحطان

للفارس الحامي الحقيقة معلما

زاد الرفاق إلى قرى نجران

الحارث بن عميرة الليث الذي

يحمي العراق إلى قرى كومان

ود الأزارق لو يصاب بطعنة

ويموت من فرسانهم مائتان

44

ويروي المبرد عن علي أنه قال: «للأزد أربع ليست لحي؛ بذل لما ملكت أيديهم، ومنع لحوزتهم، وحي عمارة لا يحتاجون إلى غيرهم، وشجعان لا يجبنون.»

45 •••

وبعد، فإن كانت الثقافة الفارسية تمثل حياة كسروية فيها مدينة معقدة ونظم مركبة، وفيها مرافق المدنية الممعنة في الحضارة، وفيها محاسن المدنية ومساويها. فالثقافة العربية تمثل حياة بسيطة سهلة لا تركب فيها ولا التواء، فيها بساطة العيش، وفيها بساطة القول. وفيها محاسن البادية ومساوئها، كما تمثل قوما عاشوا في جاهليتهم في نزاع قبلي، يفخرون ويمدحون ويهجون، ويدينون بالأصنام، ثم يجمعهم دين واحد هو الإسلام فيرفع من نفسيتهم وعقليتهم، ويأخذون في حياة فيها أثر للقديم، من عصبية قبلية ونحوها، وفيها كثير من جديد؛ فتوحيد وتقوى، وخوف من الله وعذابه ورغبة في ثوابه، وفيها شعور بعزة الفاتح وسلطان الحاكم، وفيها اعتداد بأنفسهم، وخاصة من ناحيتين: لسانهم وسيفهم، واعتماد على غيرهم في مرافق مدنية دربوها ومرنوا عليها.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٢٢