43
فالكاتب تغلب في مختاراته الناحية التي تبعث السرور والفرح والضحك، إلا قليلا من ذكر الموت والرثاء.
اختار فيه من أحاديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم
ومن أقوال الصحابة، والتابعين؛ مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعمر بن عبد العزيز، ومن أمثال الحكماء كأكثم بن صيفي في الجاهلية، والأحنف بن قيس في الإسلام، وشعرا كثيرا من الشعر الجاهلي وصدر الإسلام، وقليلا من شعر المحدثين، وأدبا لحوادث تاريخية ومذاهب دينية كأدب الخوارج، والكتب التي دارت بين أبي جعفر المنصور، ومحمد بن عبد الله بن حسن العلوي.
أكثر ما يعجبه ما جمع بين الأشياء ثلاثة؛ معنى جيد، في التعبير عنه شيء من غريب اللغة، وشيء من مسائل النحو أو مشكلاته. يورد ما اختار، ثم يعنى بشرح ما فيه من لغة ونحو. ويورد قول رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يمدح الأنصار: «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع.» فلا يتعرض إلا لكلمة الفزع ومعانيها المختلفة، ويستشهد على كل معنى، وإذا ورد في الاستشهاد كلمة لغوية أو نحوية شرحها.
يعنون كل بضع مختارات بكلمة «باب»، ومن العسير في كثير من الأحيان أن نفرق بين باب وآخر، وتدرك أن هذا الباب وحدة مستقلة تجمع مختارات ذات صبغة خاصة، تخالف ما في الباب الآخر، اللهم إلا في القليل النادر كباب الخوارج، حتى ليخيل إلينا أن كلمة «باب» يستعملها في معنى «درس»؛ فكأنه يعنون كل درس أو جملة دروس بباب، والدرس أو الدرس تكون حيثما اتفق له، لا يتقيد فيها إلا بأنها مختار فيه أدب، وفيه لغة وفيه نحو.
والكتاب يمثل الثقافة العربية في جميع نواحيها؛ فهو يختار من الحديث ومن أقوال الصحابة، مثل كلمة أبي بكر في مرض موته، ورسالة عمر في القضاء إلى أبي موسى الأشعري، وكتاب عثمان إلى علي بن أبي طالب حين أحيط به، وكلمة علي حين بلغه أن خيلا لمعاوية وردت الأنبار، وقتلوا عامله حسان بن حسان، ثم يذكر بابا يعنى فيه بما كان من كلام العرب مختصرا مفهما، بين اللفظ حسن الوصف، جميل الرصف كقول الحطيئة:
وذاك فتى إن تأته في صنيعة
إلى ماله لا تأته بشفيع
وقول عنترة:
يخبرك من شهد الوقيعة أنني
أغشى الوغى وأعف عند المغنم
ويقارن بين ما ورد لبعض العرب؛ من ضرورة قبيحة، وألفاظ مستهجنة، وبين ما هو أوضح لفظا وأبين معنى، ثم ينتقل إلى نبذة من كلام الحكماء فينقل عن ابن عمر أنه كان يقول: «إنا كنا معشر قريش نعد الجود والحلم السؤدد، ونعد العفاف وإصلاح المال المروءة. وينقل عن الأحنف بن قيس قوله: كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزح تذهب المروءة، ومن لزم شيئا عرف به.» ثم يسترسل في ذلك فينتقل عن عبد الملك بن مروان، و أبى سفيان ومعاوية، ثم ينتقل إلى شعر لرجل يهجو بلال بن البعير المحاربي، ولأبي الطمحان يمدح بجير بن إياس، وآخر ينفي نسب آخرين ... إلخ. ويعقد بابا ثالثا، يذكر فيه نبذا من حكم العرب لمعاوية والأحنف بن قيس، ثم بابا رابعا يذكر فيه مختارا لرجل من بني سعد يرثي رجلا، ولحضرمي ابن عامر، وقد غبط بميراث ورثه من أحد أهله، وانتقل فجأة إلى قول جميل يشبب فيه ببثينة، ثم لأمية بن أبي الصلت في الغناء، ثم للهيثم بن الربيع في الغزل، ويأتي بعد ذلك باب خامس فيه نبذ من كلام حكماء العرب.
وعلى هذا النحو كل الكتاب؛ يتعرض في بعض فصوله لما قال العرب في الخمر، وما قالوه في السؤدد، وما قال جرير والفرزدق في الفخر، ووعظ الوعاظ أمثال عمر بن عبد العزيز وعلي بن أبي طالب، وينقل مختارا في مجالس العرب؛ فينقل عن الأحنف بن قيس وقد سئل: أي المجالس أطيب؟ وعن المهلب بن أبي صفرة، وقد قيل له: ما خير المجالس؟ وعن ابن عباس في الجليس، ويذكر نبذة من أمثال العرب؛ مثل: لم يذهب من مالك ما وعظك، ورب عجلة تهب ريثا، وأن ترد الماء بماء أكيس. ويذكر ما قاله بعض العرب في الرثاء، وما قالوه في اللغة والعيش الرغد، ويعرض لطرف مما دار من الكلام الحسن في الحروب الإسلامية الأولى كوقعة الجمل، وما كان بين الحكمين، ويذكر طرفا من الخطب المختارة؛ كخطبة زياد والحجاج، ثم الغزل وطرائفه، فأعرابي يشكو حبيبته، وعمر بن أبي ربيعة في النحافة، وأقوال في دهاء العرب وحلمهم وكرمهم وشجاعتهم، وما بينهم من مدح وهجاء، وعدائيهم ولصوصهم وتكاذيبهم، ونوادر الأعراب في زواجهم وطلاقهم، وطول لحية وقصرها، وبعض طرائف العشاق، وتهاجي القبائل. ثم ما ورد من العرب في الوصف؛ في وصف جمل وحمار وحمامة وحاد، ثم باب طويل في أخبار الخوارج، وحروبهم وعقائدهم وخطبهم وأشعارهم ونوادرهم. وبين هذا وذاك أبواب علمية، بعضها نحوي؛ مثل «باب ما يجوز فيه يفعل فيما ماضيه فعل مفتوح العين»، وبعضها بلاغي؛ مثل باب في التشبيه.