تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان هؤلاء العلماء فرقا، كل فرقة يغلب عليها الميل إلى ناحية من نواحي هذه الثقافة؛ فالخليل بن أحمد وأبو زيد الأنصاري والأصمعي وأمثالهم غلب عليهم مفردات اللغة وجمعها والبدء بتبويبها. والمفضل الضبي وخلف الأحمر وحماد الراوية وغيرهم غلب عليهم جمع القصائد والأشعار والأمثال، وما إلى ذلك. ومحمد بن إسحاق والواقدي وأبو محنف والهيثم بن عدي والمدائني مالوا إلى تدوين الروايات عن الأحداث التاريخية؛ كفتوح الشام، وفتوح العراق، ووقعة الجمل، ووقعة صفين، ونحو ذلك، وفي أخبار النبي

صلى الله عليه وسلم

وكتبه إلى الملوك والمغازي، وأسماء المنافقين، والوفود. وابن الكلبي وأمثاله عنوا بالأنساب وما يتبعها من بيوتات ومنافرات وموءودات، وفي أخبار الأوائل من عاد الأولى والآخرة، والمعمرين والأصنام والقداح، وأيام العرب وأسمارهم ... إلخ. •••

وبعد، فإذا حاولنا أن نختار من يمثل هذه الثقافة العربية بفروعها، فلسنا نختار الأصمعي وما بين أيدينا من كتبه؛ فليست تمثل إلا الناحية اللغوية، ولا المفضل الضبي وكتابيه المفضليات والأمثال؛ فهما لا يمثلان إلا الناحية الأدبية، ولا كتب الجاحظ وابن قتيبة؛ فإنها تمثل نوعا آخر من الثقافة سيأتي بيانه، إنما الذي يمثل الثقافة العربية هو «المبرد» وكتابه الكامل أولا، ثم أمالي القالي ثانيا. وليست الأمالي مما ألف في عصرنا، فلندعها الآن ونجتزئ بالمبرد والكامل، وإن كان قد عاش زمنا في عصرنا، وزمنا في العصر الذي بعده، وقد اخترنا الكامل لأنه خير كتاب وصل إلينا من تراث ذلك العصر، يمثل شيئين هامين؛ يمثل الثقافة العربية في عناصرها المختلفة، ويمثل طريقة تعلم المعلمين في ذلك العصر لتلك الثقافة ومنهج التأليف فيها.

المبرد والكامل

كذلك لا نطيل في ترجمة المبرد، فالذي يهمنا كتابه.

هو محمد بن يزيد، عربي الأصل من قبيلة ثمالة، وثمالة من الأزد، والأزد من قحطان؛ فهو من عرب اليمن. وكان للأزديين أثر كبير في الدولة الأموية،أعانوا زياد بن أبيه وابنه من بعده، وتحالفوا مع ربيعة يناهضون حلفا آخر هو حلف تميم وقيس، ووقفوا بجانب المهلب بن أبي صفرة، وهو أزدي كذلك، يحاربون الخوارج.

ولد المبرد بالبصرة سنة 210، وأخذ العلم عن الجرمي والمازني، «وكان إمام العربية ببغداد، وإليه انتهى علمها، وكان حسن المحاضرة فصيحا بليغا مليح الأخبار، ثقة فيما يرويه كثيرا لنوادر، فيه ظرافة ولباقة.»

41

وكان يتنازع رياسة العلم في بغداد هو وثعلب، ومن أسباب نزاعهما اختلاف مدرستهما، فالمبرد بصري تعلم على المذهب البصري وطريقته، وثعلب كوفي تعلم على المذهب الكوفي وطريقته، وبينهما اختلاف كبير في النحو والصرف واللغة، وما يقاس عليه وما لايقاس ... إلخ. وقد ظفر المبرد بثعلب؛ لأن المبرد كان حسن العبارة حلو الإشارة، فصيح اللسان، ظاهر البيان، وثعلب متحفظ منكمش ليس في لباقة المبرد وفصاحته، وكان المبرد يحب الاجتماع بثعلب للمناظرة، وثعلب يراوغ.

كان يحفظ كثيرا من اللغة وغريبها، وأحفظ الناس في عصره للأخبار، واسع الاطلاع في النحو، وكان لا يعنى بالأسانيد فيما يروي من لغة وأدب كما يعنى غيره من علماء عصره. وقد ألف كتبا كثيرة في فروع الثقافة العربية المختلفة. ألف في النحو «المقتضب» وغيره، وألف في إعراب القرآن، وفي قواعد الشعر وضروب الشعر، وشرح كلام العرب وتخليص ألفاظها، وفي قحطان وعدنان ... إلخ.

42

وأهم كتبه الكامل، وقد مات ببغداد سنة 285 في خلافة المعتضد.

كتاب الكامل

المبرد مسلم عربي، أزدي يماني، وهو لغوي نحوي، وهو لبق ظريف، وهو لم يثقف بغير الثقافة العربية على ما يظهر. كان لكل كلمة من هذه الكلمات لون في كتابه الكامل؛ فهو صورة تامة لكل ما ذكرنا.

قال في صدر الكتاب: «هذا كتاب ألفناه يجمع ضروبا من الآداب؛ ما بين كلام منثور، وشعر مرصوف، ومثل سائر، وموعظة بالغة، واختيار من خطبة شريفة، ورسالة بليغة، والنية فيه أن نفسر كل ما وقع في هذا الكتاب من كلام غريب أو معنى مستغلق، وأن نشرح ما يعرض فيه من الإعراب شرحا شافيا، حتى يكون هذا الكتاب بنفسه مكتفيا، وعن أن يرجع إلى أحد في تفسيره مستغنيا.» ويقول في صدر باب من أبوابه: «نذكر في هذا الباب من كل شيء؛ لتكون فيه استراحة للقارئ، وانتقال ينفي الملل، لحسن موقع الاستطراف، ونخلط ما فيه من الجد بشيء يسير من الهزل ليستريح إليه القلب وتسكن إليه النفس.»

ضحى الإسلام · الصفحة ١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٢٠