وهذه الثروة متعددة النواحي؛ فشعر تدهشك كثرته حتى ليخيل إليك أن كل عربي شاعر، وأن لسانه ينطق بالشعر كما ينطق بالكلام، ثم هو متنوع الأغراض، متنوع الوزن، متنوع المعاني، فكان لنا من امرئ القيس، إلى بشار بن برد دواوين ضخمة لا تجمع كل ما قالوا، ولكن تجمع أقله، أودعوا فيه فخرهم وهجاءهم، وتغنوا فيه بعواطفهم وشعورهم، ووصفوا فيه لوعتهم وحنينهم إلى وطن، ووفاءهم لميت، ووصفوا طبيعة أرضهم، ونباتهم وحيوانهم.
وثروة من الخطب لا تقل شأنا عن الشعر، يستعينون بها في تهييج القبائل في الجاهلية، وفي تنظيم الأحزاب السياسية في الإسلام، ويصلون بها في الجاهلية والإسلام إلى تحقيق أغراضهم، وبث أفكارهم في السلم والحرب، وجمع الكلمة وتفريقها، ولهم الأمثال والحكم، وقد برعوا فيها وأكثروا منها، وقامت لهم مقام الفلسفة لليونان، أمدهم بها كثرة تجاربهم ودقة ملاحظتهم وحسن صياغتهم.
ولهم الأخبار الكثيرة عن أبطالهم في الكرم، وأبطالهم في الحرب، وأبطالهم في الوفاء، وأبطالهم في القيافة والكهانة ... إلخ.
ولهم القصص عن وفودهم وأسواقهم، وحكامهم وفرسانهم، وعدائيهم ولصوصهم، ولهم أساطيرهم وخرافاتهم، وتفاؤلهم وتشاؤمهم وتخيلاتهم.
ولهم الأخبار الطويلة عن أيامهم، وأصنامهم وعباداتهم، وحنفائهم ويهودهم ونصاراهم. •••
ولما جاء الإسلام اتصلت به الثقافة العربية اتصالا وثيقا، حتى كان من الدين التثقف بها، والعلم بلغتها وأخبارها، بل عمل الإسلام عملا كبيرا في رقيها وتقنينها؛ ذلك أن القرآن الكريم والحديث عربيان، ومن حسن الإسلام تعلم لغته، فكان الإسلام أكبر البواعث على نشر هذه الثقافة والعناية بها. دخل اللحن في العربية، فخاف المسلمون على القرآن أن يتسرب إليه لحن فوضعوا النحو، وحملهم وضع النحو على مشافهة الأعراب، والأخذ عنهم، حتى يصلوا إلى قاعدة في الرفع والنصب والجر والجزم يضعونها، وكانت حركة عنيفة ومجهودا كبيرا توج بكتاب سيبويه، وما كان يكون لولا القرآن،
38
ووردت في القرآن والحديث ألفاظ لغوية، فضربوا أكباد الإبل إلى البادية يستفسرون عن لفظ، أو يقفون على تعبير، ودعاهم ذلك إلى حفظ الأشعار، ففيها أحيانا ما يفسر لفظا قرآنيا، أو يساعد على فهم تعبير قرآني، فأكثروا من رواية اللغة والأشعار لذلك، ودققوا فيها وتحروا الموضوع من الصحيح، وما كان يبذل هذا الجهد، وذلك التحري لولا ما وراءه من باعث ديني.
39
وعنوا بلهجات العرب، وكيف تنطق تميم وقريش، ومن الذي يميل ومن لا يميل، ومن يبدل ومن لا يبدل؛ لتفهم قراءات القرآن، كما عنوا بالمعرب والأصيل لما في القرآن من معرب وأصيل.
بل جد بعض العلماء بعد في البلاغة، يضعون لها القواعد، ويستنتجون القوانين تفهما لمواضع الإعجاز في القرآن، وتذوقا لبلاغته.
40
وهكذا كان القرآن منبعا لثقافة روحية وعقلية، سنبينها بعد. وكان منبعا لثقافة عربية وعلمية، أشرنا إليها الآن. •••
وغنيت الثقافة العربية في الإسلام بما كان فيه من أحداث، فسيرة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وأخبار الخلفاء، والغزوات والفتوح، وما تخللها من شعر وأدب وقصص، وما كان يفد على الخلفاء والولاة من شعراء، وما كانوا يقولون، وما تكون من مذاهب دينية من خوارج وشيعة ومرجئة ومعتزلة، وما كان لذلك من أدب، وما كان من أحزاب سياسية وانحياز الشعراء والخطباء إلى هذه الأحزاب.
كل هذا كان ثقافة عربية، يتثقف بها من كانوا عربا في أصلهم، ومن كانوا فرسا أو روما أو يونانيين، وعلى الجملة من كانوا في المملكة الإسلامية، وخاصة من أسلموا وتعلموا، وما كان ينبغ النابغ إلا إذا عرفها، وأحاط بطرف منها، فكانت بذلك عنصرا من عناصر الثقافة العامة في ذلك العصر. •••
هجم العلماء - في عصرنا الذي نؤرخه - من عرب وموال على هذه الثقافة يبحثون عنها من نواحيها المتعددة، ويرحلون إلى البادية أحيانا، وإلى الأمصار أحيانا، ويسمعون للرجال والنساء والصبيان، والخاصة والعامة، حتى اختلفوا؛ هل يأخذون اللغة عن المجنون أو لا، يدخلون على المرأة في خبائها، وعلى راعي الإبل في مرعاه، أبو حاتم يسأل أم الهيثم، والأصمعي يقول: سمعت سبية يتراجزون، والجاحظ يروي عن عبد أسود لبني أسد. والواقدي يروي عن فاطمة بنت المنذر زوجة هشام بن عروة. وكان أهم عمل لهؤلاء تحويل الثقافة العربية من ثقافة لسانية شفهية في الغالب إلى ثقافة كتابية تحريرية، وكانت هذه هي الخطوة الأولى ليتناول العلماء بعد ما جمع ينقحونه، ويميزون خطأه من صوابه، ويضعون له القواعد.