19
وطرب الموالي طربا شديدا لما مدحهم جرير بن الخطفى ببيت قال فيه:
فيجمعنا والغر أولاد سادة
أب لا يبالي بعده من تغدرا
فاجتمعوا حوله يسلمون عليه، ويسألونه كيف أنت يا أبا حزرة؟ وأهدوا له مائة حلة!
20
بل احتقر العرب طائفة المولدين الذين ذكرنا طرفا من نبوغهم، وخصائصهم في الفصل السابق، وسموا ابن العربي من الأمة «الهجين». قال في لسان العرب: الهجنة من الكلام ما يعيبك، والهجين: العربي ابن الأمة لأنه معيب.
21
قال ابن عبد ربه: «وكانت بنو أمية لا تستخلف بني الإماء، وقالوا: لا تصلح لهم العرب.» ويقول الأصمعي: في تعليله ذلك: «إن الناس يرون أن امتناعهم عن توليتهم كان للاستهانة بهم. وإن هذا غير صحيح؛ إنما كانوا يمتنعون عن توليتهم لأن بني أمية كانوا يرون أن زوال ملكهم على يد ابن أم ولد.» ونحن أميل إلى تعليل الناس من تعليل الأصمعي؛ لأن قولهم هو الذي يتمشى مع الواقع والمنطق الصحيح. وسياسة بني أمية كلها تؤيد ذلك؛ فهم إذا اختاروا واليا راعوا عربيته، وإذا اختاروا قاضيا أو إماما يصلي بالناس راعوا ذلك. وليسوا في هذا يرجعون إلى ضرب من التنجيم كما يزعم الأصمعي. وقد لاقى بنو أمية كثيرا من العنت لتعيين خالد بن عبد الله القسري واليا على العراق، ولاقى هو كثيرا من هجو الشعراء لأن أمه أمة رومية. وأكبر دليل على نقض قول الأصمعي: أنهم ولوا فعلا يزيد بن الوليد وإبراهيم بن الوليد، ومروان بن محمد، وأمهاتهم إماء! ولو كانوا يعتقدون بالتهجين ما ولوهم؛ إنما الحكمة في توليتهم أن الموالي بدءوا يقوون في آخر العهد الأموي، فاضطر الناس لضرب من الخضوع أمام قوتهم.
وذهب أعرابي إلى سوار القاضي، فقال: إن أبي مات، وتركني وأخا لي، وخط خطين ناحية، ثم قال: وهجينا لنا، ثم خط خطا آخر ناحية، ثم قال: كيف ينقسم المال بيننا؟ فقال : المال بينكم ثلاثا إن لم يكن وارث غيركم. فقال له: لا أحسبك فهمت! إنه تركني، وأخي، وهجينا لنا. فقال سوار: المال بينكم سواء، فقال الأعرابي: أيأخذ الهجين كما آخذ ويأخذ أخي؟ قال: أجل! فغضب الأعرابي، وقال: تعلم والله إنك قليل الخالات بالدهناء!
22
وحكى الجاحظ قال: قلت لعبيد الكلابي، وكان فصيحا فقيرا: أيسرك أن تكون هجينا ولك ألف جريب؟ قال: لا أحب اللؤم بشيء! قلت: فإن أمير المؤمنين ابن أمة. قال: أخزى الله من أطاعه! ويقول الرياشي:
إن أولاد السراري
كثروا يا رب فينا
رب أدخلني بلادا
لا أرى فيها هجينا
وكتب محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب يعير أبا جعفر المنصور: «واعلم أني لست من الطلقاء أولاد، ولا أولاد اللعناء، ولا أعرقت في الإماء، ولا حضنتني أمهات الأولاد! إلخ.»
فالحق أن الحكم الأموي لم يكن حكما إسلاميا، ويسوى فيه بين الناس، ويكافأ فيه من أحسن؛ عربيا كان أو مولى، ويعاقب فيه من أجرم؛ عربيا كان أو مولى، ولم يكن الحكام فيه خدمة للرعية على حساب غيرهم. كانت تسود العرب فيه النزعة الجاهلية لا النزعة الإسلامية؛ فكان الحق والباطل يختلفان باختلاف من صدر عنه العمل؛ فالعمل حق إذا صدر عن عربي من قبيلة! وهو هو باطل إذا صدر عن مولى أو عربي من قبيلة أخرى! ولسنا الآن بصدد أن نبحث إذا كان الموالي أسعد حظا تحت حكم العرب منهم تحت حكم الفرس أو الروم أو أشقى؟ فذلك ما يهم الباحث السياسي.
ولا بد أن نكرر هنا ما سبقت الإشارة إليه من أن هذا النظر القاسي الذي وصفناه ليس نظرا عاما كان عند العرب جميعهم، إنما كان هو النظر السائد بين البدو والولاة. أما نظر المساواة فقد كان سائدا في الأوساط العلمية والدينية، فالعالم يشرف بعلمه سواء كان مولى أو عربيا. ومن سادة التابعين من كانوا موالي، والناس منحوهم من الإجلال ما منحوا العرب، لا تفاضل بينهم إلا بالدين والعلم؛ فنجد الزهري، ومسروق بن الأجدع ، وشريحا، وسعيد بن المسيب، وقتادة من سادات التابعين، وهم من العرب، كما نجد الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جبير، وعطاء بن يسار وربيعة الرأي، وابن جريج، من سادة التابعين، وهم من الموالي. والناس من عرب وموال يأخذون عنهم على السواء، وينتقلون من حلقة أحدهم إلى حلقة الآخر، حتى لترى الحسن البصري ينقد خلفاء بني أمية، وينقد يزيد بن المهلب! ويرى أن يزيد وصحبه وبني أمية وأصحابهم ضلال مارقون! ويقول: والله لوددت أن الأرض أخذتهم خسفا جميعا! ثم يأتي يزيد بن المهلب في رهط من قومه إلى الحسن، ويهم أحدهم بقتله، فيقول يزيد: «اغمد سيفك؛ فوالله لو فعلت لانقلب من معنا علينا!»