وكما كان هناك خطأ ووضع في اللغة كان كذلك في الأدب، بل الباعث في الثاني أقوى منه في الأول، فالولاة الأمراء يعجبهم الشعر اللطيف، والقصص الغريب أكثر مما يعجبهم اللفظ، والتزيد من القصائد لفخر قبيلة أو ذمها، والنوادر في القصص تسترعي الأسماع، والحكايات لإعلاء شأن فرد أو قبيلة، والتوسع في المثالب والمناقب؛ كل هذا يجد مجالا في الأدب أكثر مما يجد في اللغة. وقد كان هؤلاء الوضاع من العرب أحيانا ومن العلماء أحيانا: «تكاذب أعرابيان؛ فقال أحدهما: خرجت مرة على فرس لي، فإذا أنا بظلمة شديدة، فيممتها حتى وصلت إليها، فإذا قطعة من الليل لم تنتبه، فما زلت أحمل عليها بفرسي حتى نبهتها فانجابت! فقال الآخر: لقد رميت ظبيا مرة بسهم، فعدل الظبي يمنة فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي فتياسر السهم، ثم علا الظبي فعلا السهم، ثم انحدر فانحدر حتى أخذه!» قال التوزي: سألت أبا عبيدة عن مثل هذه الأخبار من أخبار العرب، فقال: إن العجم تكذب أيضا، فتقول: كان رجل نصفه من نحاس، ونصفه من رصاص! فتعارضها العرب بهذا وما أشبهه.
33
وقد عقد الثعالبي في كتابه فقه اللغة فصلا في خرافات العرب، فوضعوا اسم الخس لمن يتولد بين الإنس والجنية، والغملوق بين الآدمي والسعلاة، والعلبان بين الآدمي والملك. ومن ذلك ما زعموا أن جرهما كانوا من نتاج حدث بين الملائكة والإنس، وأن بلقيس ملكة سبأ كانت من مثل ذلك النجل، وأن يأجوج ومأجوج هم نتاج ما بين النبات وبعض الحيوان ... إلخ.
34
واشتهر بالوضع من العلماء؛ حماد الراوية، وخلف الأحمر، وهشام بن الكلبي النسابة، وغيرهم، فهؤلاء ملئوا كتب الأدب العربي قصصا، وقصائد وأخبارا وأنسابا لم يتحروا فيها الحق والصدق، فحماد روى كثيرا من أخبار الجاهلية وشعر الإسلاميين، وحروب القبائل، وروى المعلقات السبع، وكان له من المقدرة ما يستطيع بها أن يقلد الشعراء الأولين، ويعمي بها على الناس. روى الأغاني: «أنه اجتمع في دار المهدي بعيساباذ، وقد اجتمع فيها عدة من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب، فدعا بالمفضل الضبي الراوية، فدخل فمكث مليا، ثم خرج إلينا ومعه حماد والمفضل جميعا، وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم، وفي وجه المفضل السرور والنشاط، ثم خرج حسين الخادم معهما، فقال: يا معشر من حضر من أهل العلم؛ إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره، وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضل بخمسين ألفا لصدقه وصحة روايته؛ فمن أراد أن يسمع شعرا جيدا محدثا فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضل.»
35
وخلف الأحمر يقول: «أتيت الكوفة لأكتب عنهم الشعر فبخلوا علي به فكنت أعطيهم المنحول، وآخذ الصحيح، ثم مرضت فقلت لهم: ويلكم! أنا تائب إلى الله، هذا الشعر لي، فلم يقبلوا مني، فبقي منسوبا إلى العرب لهذا السبب.»
36
وابن الكلبي كان عالما بالنسب، وأخبار العرب وأيامه ووقائعها، مكثرا في التصانيف، تزيد تآليفه على مائة وخمسين مصنفا، عدها ابن النديم في الفهرست. وقد قال فيه أحمد بن حنبل: كان صاحب سير ونسب، ما ظننت أن أحدا يحدث عنه.» وقال الدارقطني: «هشام متروك وقال غيره ليس بثقة.»
37
هؤلاء الوضاعون أفسدوا العلم والرواية، وأجهدوا الثقات من العلماء بنقد ما رووا؛ يتبينون صحيحه من فاسده، فوفقوا أحيانا، ولم يوفقوا أحيانا، لأن قولهم فشا في الناس، وتفرق في البلاد، وتساهل الناس في الأدب والأخبار ما لم يتساهلوا في الحديث. •••
كان نتاج الأمة العربية اللغوي والأدبي في هذه القرون الثلاثة (أعني قرنا ونصفا قبل البعثة وقرنا ونصفا بعدها) نتاجا عظيما، ولكن نتاجها لا في فلسفة ولا في علوم رياضية ونحوها، بل نتاج أدبي، وليس محررا في كتب كالتي دونها الفرس واليونان، وإنما هو شفوي إلا في القليل النادر، يتناقله جيل عن جيل، والذاكرة لا تعي كما يعي الكتاب، فدخل على هذه الثروة نقص وتزيد وتغيير وتبديل. ولكنها على العموم ثروة كبيرة وقيمة إذا قورنت بثروة أمة أخرى في مثل هذا الزمن، وفي موقف كموقف الأمة العربية.