تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولهم الشعر الرقيق العذب، كالأعرابي يقول في رثاء ولده:

دفنت بنفسي بعض نفسي فأصبحت

وللنفس منها دافن ودفين

وكالأعرابي يقول في سوداء:

كأنها والكحل في مرودها

تكحل عينيها ببعض جلدها

وأنشد الرياشي لأعرابي:

ما كنت للقلب إلا فتنةعرضت

يا حبذا أنت من معروضة الفتن

تسيء سلمى وأجزيها به حسنا

فمن سواي يجازي السوء بالحسن

وقال أعرابي قتل أخوه ابنا له، فقدم إليه أخوه ليقتاد منه فرمى السيف من يده، وقال:

أقول للنفس تأساء وتعزية

إحدى يدي أصابتني ولم ترد

كلاهما خلف من فقد صاحبه

هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي

ولهم القصص عن حروبهم وأيامهم؛ فكانوا يروون أيام العرب في جاهليتها وإسلامها، وما كان فيها من أحداث، فيتحدثون بيوم الفجار، ويوم ذي قار، وحروب قيس في الجاهلية، وحرب داحس والغبراء، ومقتل كليب بن وائل. كما يتحدثون بسيرة النبي

صلى الله عليه وسلم

وغزواته، والصحابة وما كان بينهم، ويروون شعر الشعراء من جاهليين وإسلاميين، وخطب الخطباء، وأمثال الحكماء، ونوادر الظرفاء.

كل هذا كان في البادية؛ فهم رواة الأدب القديم، ولهم إنشاء في الأدب الحديث، لذلك قصدهم العلماء يأخذون عنهم كل ذلك.

وفي الحق كانت سكناهم في البادية، وقلة امتزاجهم بغيرهم من الأمم أدعى لأن يسلكوا سبيل الأولين، ويتذوقوا ذوقهم، ويعجبوا بمآثرهم، ويسيروا في الأدب على منهاجهم، فإن تأثر شعراء العراق وأدباؤهم بالفرس ومن إليهم فإن هؤلاء تأثروا بآبائهم في الجاهلية وآبائهم في الإسلام، وكان أدبهم صورة حية للأدب القديم، وصدورهم واعية لآثار الأقدمين، ونوع معيشتهم أشبه بمعيشة الأولين. قال عمر بن عبد العزيز: «ما قوم أشبه بالسلف من الأعراب، لولا جفاء فيهم!».

32

فمما لا شك فيه، أنه كان في هذا العصر أدبان؛ أدب عربي صرف ليس فيه كبير أثر من حضارة، ولا من ثقافات الأمم المختلفة. وهذا أدب - كما قلنا - خفيف الروح، رشيق اللفظ، لا ترى فيه خمرا كثيرا، ولا ترى فيه تشبيبا بغلمان، ولا ترى فيه غزلا بقيان، ولا ترى فيه فجرا فاجرا، ولا فحشا داعرا، كما لا ترى فيه عمقا في تفكير، ولا إمعانا وفلسفة في تعبير. يعجبني في ذلك قول النمري؛ فقد قال: مما يدل على أن قصيدة

إن بالشعب الذي دون سلع

لقتيلا دمه ما يطل

ليست لتأبط شرا وإنما هي لخلف الأحمر؛ قوله فيها:

خبر ما نابنا مصمئل

جل حتى دق فيه الأجل

فإن الأعرابي لا يكاد يتغلغل إلى مثل هذا.

وأدب آخر حضري، كالذي تراه في كتابة عمرو بن مسعدة، وابن المقفع، وقد تأثر بالفرس أثرا كبيرا. وفي ذوقي إنه ليس في خفة روح الأول ولا رقته وعذوبته، يحتاج الذهن فيه إلى أن ينحرف بعض الانحراف ليفهمه، وكالذي تراه في شعر بشار، وأبي نواس؛ فيه العمق وفيه الفجر. والقصيدة التي كان يغني بها العربي ليعبر عن عاطفة قوية بسيطة أصبحت في الحضر مملة، يتصنع صاحبها العاطفة ويغلو فيها، والأدب الذي كان يشرح حياة البادية وما فيها من بطولة وشجاعة وقوة؛ أخذ يعبر عن حياة المدن وما فيها من نعومة ولين، وانتقل النثر من جمل صغيرة مفصولة مقطعة، أو خطبة قوية تقال شفاها، إلى كتابة يتنوع موضوعها بتنوع مرافق الحضارة، ويفصل فيها الكلام ويربط. وقد كان العربي الذي يعبر بلسانه خريج الطبيعة والبيئة، فأصبح الذي يكتب بقلمه وليد التربية العلمية، وخريج الكتب والدفاتر والمحابر. وعلى الجملة فكلا النوعين من الأدب ظل لحياته الاجتماعية، هذا في حضره وذاك في باديته. وإذ كانت البادية لم تتغير، وكانت في العهد العباسي مثلها في العهد الأموي كان أدبهم كذلك يجري في واد واحد، وإذا كان الحضر متغيرا (فالعراق العباسي غير العراق الأموي)؛ كان الأدب الحضري مختلفا عما قبله، فكتابة في أنواع جديدة، وغزل جديد، والكتب المؤلفة في الأدب تصف حياة اجتماعية جديدة، وهكذا. •••

ضحى الإسلام · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١١٧