تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان المدونون الأولون للغة في هذا العصر يدونون المفردات حيثما اتفق، وكما يتيسر لهم سماعها، فقد يسمعون كلمة في الفرس، وأخرى في الغيث، وثالثة في الرجل القصير، وهكذا، فكانوا يقيدون ما سمعوا من غير ترتيب. وكانت الخطوة الثانية أن جمعوا الكلمات الخاصة بموضوع واحد، وأظهر ما كان ذلك في كتب الأصمعي، فله كتاب الأنواء، وكتاب الميسر والقداح، وكتاب خلق الفرس، وكتاب الإبل، وكتاب الشاء، وهكذا يجمع ما ورد من الألفاظ اللغوية في موضع واحد، ويسميه كتابا، وقد يكون الكتاب بضع ورقات، ثم كانت الخطوة الثالثة عمل المعاجم.

هذا موجز في القول من الناحية اللغوية للثقافة العربية، وهناك ناحية أخرى هي الناحية الأدبية؛ فقد كان للعرب أدب غزير ممتع، وكان بجانب رواية اللغة رواية الأدب، بل كثيرا ما تكون رواية اللغة في ثنايا رواية الأدب، وكان عرب البادية في ذلك العصر مصدرا للغة والأدب معا.

كان الناس إذ ذاك يتلذذون من سماع حديث الأعراب، لخفة روحهم وعذوبة نطقهم وبساطتهم، قال الجاحظ: «ليس في الأرض كلام هو أمتع ولا أنفع، ولا آنق ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد اتصالا بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويما للبيان؛ من طول استماع حديث الأعراب الفصحاء العقلاء، والعلماء البلغاء.»

28

وقال ابن عبد ربه في كلام الأعراب: «هو أشرف الكلام حسبا، وأكثره رونقا. وأحسنه ديباجا، وأقله كلفة، وأوضحه طريقة؛ إذ كان مدار الكلام كله عليه، ومنتسبه إليه.»

29

وقد عقد فصلا طويلا، نقل فيه شيئا من كلام الأعراب في الزهد والمدح والذم والغزل والخيل والغيث، والنوادر والملح، والطعام ... إلخ.

30

وعقد الحصري فصلا ممتعا عنوانه: «فقر من كلام الأعراب في ضروب مختلفة».

31

وفي الحق إنك تقرأ هذه الفصول فتؤمن بأن أدبهم جيد اللفظ، قريب المعنى، قليل الكلفة.

يقول أعرابي في امرأة يحبها: «لقد نعمت عين نظرت إليها، وشقي قلب تفجع عليها، ولقد كنت أزورها عند أهلها فيرحب بي طرفها، ويتجه مني لسانها.»

وكره أعرابي البصرة وأهلها؛ فقال: «دخلت البصرة، فرأيت ثياب أحرار على أجساد عبيد، إقبال حظهم إدبار حظ الكرام، شجر أصله عند فروعه، شغلهم عن المعروف رغبتهم في المنكر.» ووصف أعرابي أميرا، فقال: «إذا ولى لم يطابق بين جفونه، وأرسل العيون على عيونه، فهو غائب عنهم، ساهد معهم، فالمحسن راج والمسيء خائف.»

وقدم أعرابي البادية وقد نال خيرا من البرامكة، فقيل: كيف رأيتهم؟ قال: «رأيتهم وقد أنست بهم نعمة كأنها من ثيابهم.» إلى كثير من أمثال ذلك.

ولهم النادرة الحلوة، والفكاهة العذبة يتفكه بها الخلفاء في مجالسهم، والخاصة في أحاديثهم، والأدباء في سمرهم، وروى الأصمعي مثلا في ذلك الشيء الكثير، يفرج به هم الولاة، ويضحك به السمار.

سافر أعرابي إلى رجل فحرمه، فقال لما سئل: «ما ربحنا في سفرنا إلا ما قصرنا من صلاتنا، فأما الذي لقيناه من الهواجر، ولقيت منا الأباعر، فعقوبة لنا فيما أفسدنا من حسن ظننا!» وقيل لأعرابي: ما عندكم في البادية طبيب؟ قال: حمر الوحش لا تحتاج إلى بيطار! وسأل أعرابي رجلا فاعتل عليه فقال: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا. وقال الأصمعي: أصابت الأعراب مجاعة، فمررت برجل منهم قاعد مع زوجته بقارعة الطريق، وهو يقول:

يا رب إني قاعد كما ترى

وزوجتي قاعدة كما ترى

والبطن مني جائع كما ترى

فما ترى يا ربنا فيما ترى؟ .. إلخ.

ثم لهم الحكمة الرائعة يجرون فيه على سنن حكم أكثم بن صيفي، والأحنف بن قيس؛ هي أشبه ما يكون بالأمثال، قال أعرابي: «الدنيا تنطق بغير لسان، فتخبر عما يكون بما قد كان.» «لم أر صاحبا أغر من الدنيا، ولا ظالما أغشم من الموت، ومن عصف عليه الليل والنهار أردياه، ومن وكل به الموت أفناه!» وقال أعرابي: «الدراهم مياسم، تسم حمدا وذما؛ فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له، وما كل من أعطى مالا أعطي حمدا، ولا كل عديم ذميم!» وقال أعرابي: «إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا يتفقه؛ ضاعت الأمور!» وقيل لأعرابي: لم لا تطيل الهجاء؟ قال: «يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق» ... إلخ.

ضحى الإسلام · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١١٦