أما خطأ العربي؛ فقد يكون من عدم فهمه لمعنى الكلمة، كقول عربي يصف امرأة بالغفلة:
لم تدر ما نسج اليرندج قبلها
ودراس أعوص دارس متخدد
ظن أن اليرندج ينسج،
وإنما هو جلد يصبغ
25
وقال عمرو بن كلثوم:
علينا البيض واليلب اليماني
وأسياف يقمن وينحنينا
قال ابن السكيت. سمعه بعض الأعراب، فظن أن اليلب أجود الحديد، فقال: «ومحور أخلص من ماء اليلب»، وهو خطأ؛ وإنما هو جلود تنسج.
26
وأحيانا يكون خطأ العربي ناشئا من عدم فهم طبائع الأشياء، كقول عربي يصف درة:
فجاء بها ما شئت من لطمية
يدوم الفرات فوقها ويموج
فجعل الدر من الماء العذب، وإنما يكون في الماء الملح. وقد يكون خطأ في الحوادث التاريخية، فقد قال الكميت:
كأن الغطامط من غليها
أراجيز أسلم تهجو غفارا
27
فقال نصيب: ما هجت أسلم غفارا قط! وقد يكون من سوء تصريف العربي، فقد قال عربي، وكانت قد ماتت زوجاته تباعا:
غدا مالك يرمي نسائي كأنما
نسائي لسهمي مالك غرضان
فيا رب فاترك لي جهيمة أعصرا
فمالك موت بالقضاء دهاني!
ذلك أن هذا الأعرابي لما سمعهم يقولون «ملك الموت»، سبق إليه أن هذه اللفظة على زنة فعل (كفلك) فاشتق منها كلمة على وزن «فاعل»، مع أن ملك على وزن مفل؛ لأن أصله ملأك فالاشتقاق خطأ. وكهمزهم مصائب، قياسا على صحائف، وهو غلط لأن ياء مصيبة أصلية، وياء صحيفة زائدة ... إلخ.
وأما أكاذيبهم فقد عقد المبرد بابا في كتابه الكامل، سماه «أكاذيب العرب»؛ هذا شأن العرب.
وأما خطأ العلماء فنروي منه ما روى ابن الأعرابي، قال: لقيني أبو محلم، ومعه أعرابي، فقال: جئتكم بهذا الأعرابي لتعرفوا منه كذب الأصمعي، أليس كان يقول في بيت عنترة:
شربت بماء الدحرضين فأصبحت
زوراء تضنفر عن حياض الديلم
إن الديلم الأعداء لأنهم أعاجم، والعرب كانوا يعدون جميع الأعاجم أعداءهم، فسلوا هذا الأعرابي، ما معنى الديلم؟ فسألناه فقال: الديلم حياض بالغور أوردتها إبلي غير مرة!
والظاهر أن معاجم اللغة بعد ذلك جمعت كل ما روي وتأولت الخطأ، وصححت الغلط، وأخذت آراء العلماء على اختلافهم من غير تدقيق، فقد تأولوا كلمة «مالك» الواردة في البيت السابق، وقالوا في اليلب إنه الحديد أو الجلد، وصححوا الشطر الذي رويناه «يدوم الفرات فوقها ويموج» بقولهم تدوم البحار فوقها وتموج، وفسروا الديلم بأنها الأعداء أو حياض بالغور، وأسبغوا على العرب نوعا من العصمة ليس بصحيح، حتى زعموا أن العربي لا يطاوعه لسانه في الخطأ ولو تعمد، ورووا لذلك الحكاية المشهورة التي كانت بين سيبويه والكسائي، والحق إن العربي الصميم مثله كمثل الإنجليزي الصميم، والفرنسي الصميم. ولو أراد الفرنسي مثلا أن يحور لسانه لينطق بالخطأ عمدا لاستطاع ذلك في يسر، وهو كذلك يخطئ في استعمال بعض الكلمات والتراكيب، ونحو ذلك، فالعربي مثال ذلك. ولكن مهما قلنا في الخطأ أحيانا، وفي الكذب أحيانا فهو صفة عارضة ونادرة، وكان الأغلب فيما نقل من اللغة الصدق والصواب.
وقد جد العلماء الأولون في تمحيص ما جمع من ألفاظ اللغة؛ فقد رأوا أن هناك كلمات كثيرة أخذت عن قبائل مختلفة، لكل قبيلة لفظ أو لهجة، وبعضها أفصح من بعض، ورأوا ألفاظا لم يستوثق من صحتها، والذي جاء بها لا يوثق به، ورأوا كلمات اختلف في تحديد معانيها؛ لأنها رويت في جمل، واللفظ فيها يحتمل أكثر من معنى واحد. ورأوا ألفاظا صحفت، وألفاظا كان ينطق بها عربي ألثغ؛ فيظنها الآخذ عنه لغة، وهكذا. فاضطروا أن يحرروا ذلك كله ويمحصوه، فبذلوا من الجهد ما يستدعي الإعجاب، وبينوا من اللغة ما هو صحيح وفصيح، وضعيف منكر، ورديء مذموم فقالوا مثلا: ثبطت شفة الإنسان ورمت، وليس بثبت. أرض حثواء كثيرة التراب، وليس بثبت، وهكذا. وألف ابن خالويه كتابا سماه «ليس في كلام العرب»، بين فيه ألفاظا تستعمل ولم يصح سماعها عن العرب، وقالوا: قال الأصمعي ما سمعنا العام قابة؛ أي صوت رعد، ولم يروه أحد غير الأصمعي، وإنما روى العلماء ما أصابتنا العام قابة؛ أي قطرة، وقالوا الغرز لغة أهل البحرين، والغرز اللغة العليا، وهكذا. وقد تكون الكلمة واحدة، ويختلف العرب في النطق بها، فقبيلة تقول الطبء في الطبع، وأما والله، وهما والله، وحما والله، والأباب والعباب، وأن له وعن له، والإعاء والوعاء، وهضم عليهم وهجم عليهم، إلى مئات من مثل ذلك. وليس لاختلافها من سبب إلا اختلاف القبائل العربية في النطق، وأحيانا يكون الخطأ من العلماء في الكتابة، وهو ما يسمى بالتصحيف، فقالوا: وبها سؤدة من شباب؛ أي بقية من شباب، ثم قالوا وبها سؤرة من شباب أي بقية، وليست الأولى إلا تصحيفا للثانية. وأحيانا يكون العربي ألثغ، فيقول في الشابة الثابة، وفي الديك الديش. وقد تعرض العلماء لشيء من ذلك ولم يستوفوه، ولكن المتأخرين، وبخاصة صاحب القاموس المحيط، كدسوا ذلك كله من غير تمحيص، وفخروا بأنهم زادوا مواد كثيرة عمن قبلهم، وكان الأولى أن تستبعد اللثغات، ويحقق التصحيف، ونترك اللهجات. وإذن لا تتضخم هذه المعاجم، وتملأ فراغا كبيرا نحن أحوج إليه في ألوف الأشياء التي ليس لها اسم واحد. •••