17
وكان العلماء يمتحنون الأعرابي قبل أن يأخذوا عنه، من ذلك: أن أبا عمرو بن العلاء ارتاب في فصاحة أبي خيرة الأعرابي، فسأله: كيف تقول حفرت الإران؟ قال: حفرت إرانا. قال. أبو عمرو: «لان جلدك يا أبا خيرة!»
18
كان كثير من الأعراب يفدون على مدن العراق، فيأخذ العلماء عنهم اللغة، وقد عد ابن النديم في الفهرست عددا، منهم؛ أبو زياد الكلابي، وأبو سوار الغنوي، وقد أخذ عنه أبو عبيدة، وثور بن يزيد، وقد أخذ عنه ابن المقفع، وأبو خيرة العدوي، وأبو مهدية، وأبو مسحل، وأبو ضمضم الكلابي.
19
وقد اتصل بهم علماء اللغة يأخذون عنهم. ومن هؤلاء الأعراب من كان يكتب ويؤلف كتبا؛ كأبي زياد الكلابي، ألف كتاب النوادر، وكتاب الفرق، وكتاب الإبل، وكتاب خلق الإنسان، ومنهم من كان يعلم اللغة ويتعلم النحو على علمائه، كأبي مسحل؛ فقد أخذ النحو عن الكسائي، ومنهم من كان يميل إلى الغريب النادر، ويتقعر في كلامه، ويغلظ طبعه ليبرهن على إمعانه في البداوة، كأبي محلم الشيباني، وكانوا يتكسبون بذلك، فمنهم من كان يعلم الصبيان بأجرة كأبي البيداء الرباحي، ومنهم من كان يفد على الأمراء كأبي ضمضم الذي وفد على الحسن بن سهل، وكثير من الأعراب كانوا يفدون على إسحاق الموصلي.
20
وكما كا نت الأعراب ترحل إلى الحضر للكسب أو طلب العلم كان العلماء والأدباء يرحلون إلى البادية في طلب اللغة والأدب، فيحدثنا الأغاني أن بشارا «قيل له ليس لأحد من شعراء العرب شعر إلا وقد قال فيه شيئا استنكرته العرب من ألفاظهم، وشك فيه، وإنه ليس في شعرك ما يشك فيه. قال: ومن أين يأتيني الخطأ؛ ولدت ها هنا ونشأت في حجور ثمانين شيخا من فصحاء بني عقيل، ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ، وإن دخلت إلى نسائهم، فنساؤهم أفصح منهم، وأيفعت فأبديت إلى أن أدركت، فمن أين يأتيني الخطأ!»
21
ويقول: نزل في ظاهر البصرة قوم من أعراب قيس عيلان، وكان فيهم بيان وفصاحة، فكان بشار يأتيهم (وكان يأتيهم أبان اللاحقي).
22
وكان علماء اللغة من بصريين وكوفيين يتسابقون في الرحلة إلى البادية، والأخذ عن العرب، وقد اشتهر في عصرنا بهذه الرحلة أبو زيد الأنصاري، وأبو عمرو بن العلاء، والأصمعي والكسائي، فأبو زيد يقول في أول كتابه النوادر: «ما كان فيه من شعر القصيد فهو سماعي من المفضل بن محمد الضبي، وما كان من اللغات، وأبواب الرجز فذلك سماعي من العرب.» وسأل الكسائي الخليل بن أحمد: من أين علمك هذا؟ فقال: من بوادي الحجاز، ونجد وتهامة، فخرج الكسائي، وأنفذ خمس عشرة قنينة حبرا في الكتابة عن العرب سوى ما حفظه.
23
وأما أبو عمرو بن العلاء؛ فقد رووا أن كتبه عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف.»
24
وتاريخ الأصمعي مملوء بالقصص عن الأعراب في البادية، وما سمع منهم من لغة وشعر وقصص.
ولم يكن عمل علماء اللغة في ذلك العصر إلا نقل ما يسمعون من العرب مشافهة إلى التقييد بالكتابة، فأكثر اللغة كتبت في العصر العباسي الأول لا قبله، وكانت أهم وسائل النقل هي ما ذكرنا من رحلة العرب إلى العراق، ورحلة علماء العراق إلى البادية، وتحرير اللغويين لما سمعوا من العرب مباشرة أو بواسطة.
وبعد، فهل كان كل الذي دونوه صحيحا؟ وهل كان الآخذون (وهم علماء اللغة)، والمأخوذ عنهم (وهم العرب) كلهم ثقة؟ الحق أن لا! وأن بعض العرب كانوا يخطئون أحيانا، ويكذبون أحيانا، وأن بعض علماء اللغة كانوا يخطئون أحيانا ويكذبون أحيانا، كان العلماء شغوفين بأن يقفوا على جديد لم يعرفوه، وكانت المنافسة بينهم شديدة، وحب الفخر والتظاهر شديدا، خصوصا في مجالس الخلفاء والأمراء. وكان يقضى على العالم في جهله بكلمة أو خطئه في كلمة، فدعا ذلك بعضهم لأن يتزيدوا ويختلقوا إذا أحرجوا، وأحس بعض الأعراب بهذه النفسية فكانوا يعربون أحيانا، ويختلقون أحيانا. وسبب آخر، وهو أن العداء بين البصريين والكوفيين بلغ مبلغا عظيما، فكان علماء كلتا المدينتين يتشيعون لمذهبهم، ويبرهنون عليه بالمصنوع أحيانا، وكتب النحو واللغة مملوءة بالأدلة على ما نقول.