صلى الله عليه وسلم
والخلفاء الراشدين والأمويين؛ لا نعرض له الآن، وإنما نريد أن نذكر كلمة عن اللحن في عصرنا؛ فقد زاد بغلبة الأعاجم سياسيا، وأصبحنا نرى بدء تكون لغتين: لغة الكتابة، والأعراب الفصحاء، ومن جرى مجراهم، ولغة يسميها الجاحظ لغة المولدين والبلديين، يقول: ومتى سمعت بنادرة من كلام الأعراب، فإياك وأن تحكيها إلا مع إعرابها، ومخارج ألفاظها، فإنك إن غيرتها بأن تلحن في إعرابها، وأخرجتها مخرج كلام المولدين والبلديين خرجت من تلك الحكاية ، وعليك فصل كبير. وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام، وملحة من ملح الحشوة والطغام، فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب، أو أن تتخير لها لفظا حسنا، أو أن تجعل لها من فيك مخرجا سريا.» ويقول: «ولأهل المدينة ألسنة ذلقة وألفاظ حسنة، وعبارة جيدة، واللحن في عوامهم فاش، وعلى من لم ينظر في النحو منهم غالب.»
5
ويقول: واللحن من الجواري الظراف، ومن الكواعب النواهد، ومن الشواب الملاح، ومن ذوات الخدور الغرائر أيسر، وربما استملح الرجل ذلك منهن، ما لم تكن الجارية صاحبة تكلف.»
6
وقال في موضع آخر: «وزعم أبو العاصي أنه لم ير قرويا قط لا يلحن في حديثه، وفيما يجري بينه وبين الناس؛ إلا ما تفقده من أبي زيد النحوي، ومن أبي سعيد المعلم.»
وذكر ابن قتيبة أن أعرابيا دخل السوق، فسمعهم يلحنون، فقال: «سبحان الله! يلحنون ويربحون، ونحن لا نلحن ولا نربح!»
7
كان هذا اللحن أنواعا؛ فلحن في الإعراب فلا يصححون آخر الكلمات كما تقتضيه قواعد النحو، كالذي رووا أن رجلا قال لآخر: أحضرنيه. قال: قد دعوته لكل ذلك يأبى (برفع كل).
8
ولحن في بناء الكلمة؛ كالذي قيل: إن نبطيا سئل: لم اشتريت هذه الأتان؟ قال: أركبها، وتلد لي (بفتح اللام).
9
ولحن في تركيب الجمل كالذي حكى الجاحظ: قلت لخدام لي: في أي صناعة أسلم هذا الغلام؟ قال: أصحاب سند، نعال، يريد في أصحاب النعال السندية.
10
وأحيانا يلجأ الرجل منهم إلى إسكان آخر الكلمات، وترك الإعراب خوفا من اللحن، كان مهدي بن مهلهل يقول: حدثنا هشام بن حسان، ويجزم ذلك كله؛ لأنه حين لم يكن نحويا رأى أن السلامة في الوقف.
11
وكان هذا اللحن فاشيا حتى في العلماء؛ فقد لحن أبو حنيفة، ولحن عمرو بن عبيد، وبشر المريسي.
12
وهذا لا يطعن في علمهم، فهناك فرق بين معرفة اللغة علما والنطق بها كلاما؛ فقد يجيد الرجل معرفة قواعد لغة وضبطها وفهمها، ثم هو لا يحسن التكلم بها، كالذي حكي عن بعض أئمة النحو.
13
نستنتج من هذا كله أن فساد اللغة من الناحية اللسانية كثر في ذلك العصر، وأنه قد بدأ يكون للناس لغتان؛ لغة عامية هي التي يسميها الجاحظ لغة المولدين والبلديين، وهذه لها ألفاظ غير منتقاة، وتتسامح في الإعراب، وتميل إلى إسكان أواخر الكلمات.
14
ولغة الطبقة الراقية والمتعلمة، وهذه لغة معربة متخيرة، وإن كان اللحن يصدر منهم، وهذه اللغة الأخيرة هي لغة الكتابة. •••
ومن ثم لم يكن علماء اللغة والنحو يأخذون إلا عن سكان البادية؛ لأنهم رأوا الحضر قد فسد بالاختلاط، بل كانوا لا يأخذون عن البدوي إلا إذا لم يفسده الحضر، فكانوا لا يأخذون عن الأعرابي إذا فهم القول الملحون، «ومتى وجد النحويون أعرابيا يفهم هذا اللحن وأشباهه بهرجوه (زيفوه)، ولم يسمعوا منه؛ لأن تلك اللغة إنما انقادت واستوت واطردت، وتكاملت بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة، وفي تلك الجيرة.» ويقول الجاحظ: «ولقد كان بين زيد بن كثوة يوم قدم علينا البصرة، وبينه يوم مات بون بعيد، على أنه كان قد وضع منزله في آخر موضع الفصاحة، وأول موضع العجمة، وكان لا ينفك من رواة ومذاكرين».
15
وكان البصريون يفتخرون على الكوفيين فيقولون: نحن نأخذ اللغة عن حرشة
16
الضباب، وأكلة اليرابيع، وأنتم تأخذونها عن أكلة الشواريز، وباعة الكواميخ.»