الأول:
وهو الأكثر، التوسع في مدلول الكلمات العربية، فالعربي لم يكن يعرف الفاعل، والمفعول بالمعنى الذي يفهمه النحوي ، ولا يعرف القضية ولا الموضوع والمحمول بالمعنى الذي يعرفه المنطقي. ولا يعرف الطويل والخفيف والمديد بالمعنى الذي يفهمه العروضي، وهكذا. وقد ملئت الكتب بحكايات ظريفة كانت تجري بين النحويين والأعراب الوافدين، فلا يستطيع الأعرابي أن يفهم النحوي؛ لأنه يكلمه بمصطلحات لا علم له بها،
2
وكان علماء اللغة يعملون جهدهم في الأخذ عن الأعراب، ويجتهدون في وضع الصيغة التي يفهمها الأعرابي، فإذا قيل له صغ من وفى على وزن مفعل لم يفهم؛ لأنه مصطلح علمي.
بهذا كثرت معاني الكلمات العربية، فلو عمل معجم لغوي في العهد الأموي ما وجدنا للطويل معنى أنه بحر من بحور الشعر، ولا وجدنا فيه فاعلا وظرفا بمعناهما النحوي، وهكذا. وقد سد هذا الباب أكثر الحاجات العلمية؛ فإنك تقرأ النحو والصرف والفقه، فلا تجد فيها لفظا أعجميا، بل تقرأ المنطق كله (وهو يوناني الأصل) فلا تكاد تجد فيه كلمة أجنبية إلا مثل سفسطة، وكذلك الشأن في الفلسفة والرياضة، فاستعملوا كلمة كيفية وكمية وجوهر وعرض، والمثلث والمربع والزاوية ... إلخ، ولم ينقلوا الكلمات الأعجمية إلى اللغة العربية.
والثاني:
نقل الكلمات الأعجمية نفسها إلى العربية، وأكثر ما كان ذلك في أسماء البلدان والنباتات والحيوانات، والآلات والأمراض والمآكل التي لم يكونوا يعرفونها من قبل، وفي هذا تصرفوا تصرفات مختلفة طوعا للسانهم، ولم يجروا في ذلك على سنن واحد، قال الجواليقي: «إن العرب كثيرا ما يجترئون على الأسماء الأعجمية فيغيرونها بالإبدال، قالوا: إسماعيل وأصله إسمائيل فأبدلوا لقرب المخرج، وقد يبدلون مع البعد من المخرج، وقد ينقلونها إلى أبنيتهم ويزيدون وينقصون.»
3
وفي الواقع لو قارنا بين أصل الكلمات الأعجمية وما عربت به وجدنا أنهم لم يتبعوا قواعد ثابتة، فتارة يبدلون الشين سينا وأحيانا يبقونها، وأحيانا يقلبون الثاء تاء، وأحيانا يبقونها، وتارة يغيرون تغييرا خفيفا، وتارة تغيرا كبيرا
4
والذي نلاحظه في ذلك أن النقل كان من مصدرين؛ مصدر العلماء الذين واجهوا كتب اليونان فعربوا بعض أسماء النبات والحيوان، وهؤلاء تعريبهم أقرب إلى الأصل، وأقرب أن يكون على نمط واحد. ونقل لم يكن من عمل العلماء، ولكن كان العرب الأميون وأمثالهم متروكين فيه لسليقتهم؛ فالعربي يسمع اسم بلدة فارسية أو شيء يوناني فينطقه كما يسهل عليه حسبما اتفق له. وقد يسمع عربي آخر اسما آخر في ناحية أخرى، فينطقه نطقا ليس على نمط الأول، بل إن الكلمة الواحدة قد ينطقها قوم من العرب نطقا خاصا، وينطقها آخرون نطقا مخالفا، فيكون في الكلمة لغتان أو أكثر. ومن أجل هذا صعب على الباحث أن يضع قواعد ثابتة لما تبعه العرب في نقل الكلمات مما ليس من موضوعنا. •••
خرجت اللغة العربية من هذا المأزق سليمة قوية واسعة؛ هي لغة الدين، ولغة العلم والفلسفة، ولغة الأدب، واضمحلت بجانبها كل لغات البلاد المفتوحة؛ فاللغة السريانية التي ترجمت إليها الكتب اليونانية أخذت تتدهور بعد أن نقل ما فيها إلى اللغة العربية. والفرس في ذلك العصر أصبحت لغتهم العلمية والأدبية هي اللغة العربية، إن ألفوا أو شعروا أو كتبوا فبالعربية، وحياة اللغة الفارسية إنما كانت عند التكلم العادي، أو في أوساط الديانة المجوسية، وكذلك اللغات الأخرى من رومانية وقبطية في الشام ومصر. وكسبت اللغة العربية من ذلك أنها أصبحت في تآليفها وأدبها وعلومها نتاج كل هذه الأمم، تلبس كل أفكارهم، وتعبر عن قرائحهم، وكسبوا هم منها ما لها من ثقافة إسلامية وأدبية.
ولئن أغنى الأعاجم اللغة العربية التحريرية فقد أفسدوا اللغة اللسانية بما أدخلوا من لحن. كانت جزيرة العرب سليمة المنطق قبل الفتح، وقبل دخول الأعاجم في الإسلام، ثم بدأ اللحن يفشو فيها، وللحن تاريخ من عهد النبي