صلى الله عليه وسلم
عربي، والقرآن عربي، ودعاة الأمم الأولون إلى الإسلام عرب، فمن الواضح بعد أن ينسب الدين واللغة وما لهما من فضل إلى العرب أن نسمي ما نتج عنهما ثقافة عربية.
اللغة
في الحق إن اللغة العربية أرقى اللغات السامية، كما يقرر دارسو تلك اللغات، فلا تعادلها اللغة الآرامية ولا العبرية، ولا غيرهما من هذا الفرع السامي، وهي كذلك من أرقى لغات العالم؛ فهي تمتاز حتى عن اللغات الآرية بكثرة مرونتها، وسعة اشتقاقها. فإذا قيس ما يشتق من كلمة عربية من صيغ متعددة، لكل صيغة دلالة على معنى خاص بما يقابلها من كلمة أفرنجية، وما يشتق منها، كانت اللغة العربية في ذلك غالبا أوفر وأغنى، فمثلا اشتقوا من الضرب: ضرب، ويضرب، واضرب، وضارب، ومضروب. وسموا آلة الضرب مضربا، ومضرابا، وقالوا: ضاربه اي جالده، وتضرب الشيء، واضطرب: تحرك وماج، وحديث مضطرب، وأمر مضطرب، والضريبة: ماضربته بالسيف، وضاربه في المال من المضاربة (وهي أن تعطي إنسانا من مالك ما يتجر فيه على أن يكون له سهم معلوم من الربح)، واشتقوا منه مضاربا، ومضاربا ... إلخ.. إلخ.
هذا إلى المعاني المجازية التي يستعملون فيها الكلمة، فيقولون: ضرب الدراهم والدنانير: (أي صكها)، واضطرب خاتما من ذهب: (أي أمر أن يصاغ له) وضرب في الأرض: إذا سار فيها مسافرا، وضربت الطير: ذهبت. وضرب في سبيل الله: نهض، وضرب على يده: كفه عن الشيء ومنعه. وأضرب عن العمل: كف. وأضرب البرد النبات، وضربه: إذا اشتد عليه البرد حتى يبس، والضريبة: الصوف أو القطن يضرب بالمطرقة، والضريب من اللبن: الذي يحلب من عدة لقح في إناء واحد، فيضرب بعضه ببعض، ثم أخذوا منه فلان ضرب فلان أي نظيره (والضرباء: الأمثال والنظراء)، والضرائب: الأشكال، وضرب المثل ذكره وقوله.. إلخ.. هذا قليل من كثير مما يدل على غنى اللغة العربية، غنى تاما في الاشتقاق والمجاز، قل أن تجاريها فيهما لغة أخرى. وكذلك ما لها من طرق متعددة في القلب والإبدال والنحت مما يطول شرحه. وقد أبنا في «فجر الإسلام» ما كان للعرب من ملاحظات دقيقة فيما يقع عليه حسهم؛ فالإبل والخيل والأرض لكل شيء منها اسم، فإذا طرأ أي تغيير وضعوا له اسما خاصا، فإذا قصرت اللغة في شيء ففي ما لم يكن يقع تحت حسهم كمستخرجات البحار، وأنواع النباتات والحيوانات التي تنتج في غير إقليمهم.
1
هذه المرونة التامة، وهذا الاشتقاق والمجاز والقلب والإبدال والنحت هو الذي جعل اللغة العربية تستطيع أن تكون لغة القرآن الكريم والحديث، وما فيهما من معان في منتهى السمو والرفعة، وما فيهما من تعبيرات دينية واجتماعية وتشريعية، لا عهد للعرب بها في جاهليتهم، كما استطاعت بعد أن تكون أداة لكل ما نقل من علوم الفرس، والهند واليونان وغيرهم. وفي نحو ثمانين سنة من بدء العهد العباسي كانت خلاصة كل هذه الثقافات مدونة باللغة العربية، والعرب الذين لم يكونوا يعلمون شيئا من مصطلحات الحساب والهندسة والطب، ولا شيئا من منطق أرسطو وفلسفته؛ أصبحوا في قليل من الزمن يعبرون بالعربية عن أدق نظريات إقليدس، وحساب الجيب الهندي، وما وراء المادة لأرسطو، ونظريات الهيئة لبطليموس، وطب جالينوس، وحكم بزرجمهر، وسياسة كسرى. وما كانت تستطيع ذلك كله لولا ما بها من حياة ومرونة ورقي.
واجه العرب في العصر العباسي صعوبة شديدة في نقل هذه الذخيرة العلمية الأجنبية إلى اللغة العربية، بل في وضع مصطلحات لعلومها كالنحو والفقه، ورأوا أنهم أمام علوم جديدة وأفكار جديدة، وأن رقعة المملكة الإسلامية قد اتسعت، واختلفت أقاليمها. ولكل إقليم نباتات، وحيوانات لم تكن تعرفها، ورأوا أنها قدمت على أنماط من النظم الاجتماعية لم تكن تألفها؛ فقد أنشئت دواوين لم تنشأ في العهد الأموي، واخترعت في الأغاني نغمات لا تعرف لها اسما عربيا، وآلات الموسيقى فارسية ورومية، ولكل اسمه. وملابس مختلفة الأنواع، لأمم مختلفة. ومآكل ومشارب كذلك. وعلى الجملة فقد واجه العرب الحضارة العباسية كما يواجه اليوم العرب الحضارة الغربية، وهكذا. فماذا تصنع أمام هذا السيل الجارف؟ أتنطق بكل هذه الأسماء كما ينطق أهلها؟ وفي ذلك إهدار لشخصيتها، أو تضع لها أسماء عربية من عندها؟ وفي تعميم هذا صعوبة شاقة؛ لقد تغلبت على ذلك كله في دقة ومهارة، وفي الحق إن معجم اللغة العربية تضخم في العصر العباسي من طريقين: