حنين بن إسحاق
حنين بن إسحاق، ويلقب بأبي زيد، ولد سنة 194ه من أب عربي من قبيلة عباد التي تسكن الحيرة، وكان أبوه إسحاق نصرانيا نسطوريا، فنشأ ابنه كذلك، وكان إسحاق صيدلانيا، فأعد ابنه لدراسة الطب. بدأ حنين يدرس على يوحنا بن ماسويه. وكان حنين يكثر السؤال على أستاذه، ويلح في الأسئلة فأحرج صدر يوحنا فطرده، وقال: «ما لأهل الحيرة والطب، عليك ببيع الفلوس في الطريق!» وكان في يوحنا عصبية لأهل جنديسابور ومدرستها، يعتقد أن العلم لا يخرج عنهم.
فذهب حنين إلى بلاد الروم، وأجاد تعلم اليونانية، ثم عاد إلى البصرة، ولازم الخليل بن أحمد يأخذ عنه العربية، ويروون أنه حمل كتاب العين المنسوب للخليل إلى بغداد.
وكان يجيد أربع لغات؛ الفارسية، واليونانية، والعربية، والسريانية.
ولنسق الآن مثلا من ترجمته، قال في أول كتاب الأسابيع لأبقراط، وشرحه لجالينوس، الذي ترجمه حنين:
قال جالينوس: إن أبقراط شبه الإنسان بالدنيا، وسماه الدنيا الصغيرة؛ لأن تدبيره على تدبير الدنيا، وهذا الكتاب هو لأصحاب القياس، أعني الصنف من الأطباء الذين يدعون «دغماطيقيين»، وهم ذوو الجدل والمحاورة، وقد ذكر ههنا جزأي الطب؛ الجزء الذي يسمى «فسيولوغيا» (وهو معرفة الطبائع والتوسم لها)، والجزء الذي يدعى «بطلوغيا»، وهو معرفة العمل.
49
وقال في موضع آخر: «قال أبقراط إن الفرقدين يشبهان الحرارة التي في الإنسان.» «قال جالينوس قد وعد هذا الرجل الفائق أن يجزئ العالم على سبعة أجزاء، فأنجز وعده، وأحسن فيما قسم وجزأ، فإنه بدأ بالعالم الأقصى، وانتهى إلى الأرض، ثم قرن بعد ذلك كل جزء من أجزاء العالم بأجزاء الإنسان فألطف النظر، وأتقن القول، وأحسن النظم، فبدأ من الأرض حتى انتهى إلى النار. وفسرنا قوله هذا، والوجه الذي أراده في ذكره الأرض وابتدائه بها؛ فإنه أراد أن يقرن أجزاء الإنسان بأجزاء العالم، والإنسان أرضي، يسلك على ظهر الأرض، فابتدأ بالأرض، وجعلها أول قوله، وكرر القول هنا ليذكركم ما قاله آنفا، فإن المعنى إذا ردد ذكره مرارا كان الفهم له أرسخ في القلب والحفظ.»
50
وقال في موضع ثالث: «واعلموا أن الغضب ينقاد للعقل، وإنا إذا تحركنا للغضب قدر العقل، وقوي على إمساك ذلك الغضب ولزومه، ومنه أن يفعل أفاعليه، فإن الغضب ربما هيج أفاعيل سيئة مكروهة، فيحول العقل بينه وبين أفاعيله، واعلموا أيضا أن الشمس هي المدورة للفرقدين، وليست الفاعلة لذلك، لكنها تصعد وتنحدر فتظهر للفرقدين على نحو صعودها وانحطاطها؛ فقال لذلك هذا المرء الفاضل: إن الشمس تدبر الفرقدين، وليست المحركة لهما بالحقيقة، لكنها تظهرهما على وجه ما ذكرناه آنفا ومعناه.
وقد ذكر ذلك «أراطس» الشاعر، ووصفه فأحسن الصفة وأحكمها، فمن أراد أن يستقصي معرفة ذلك فلينظر في كتابه الذي وضع في الفلك ويتفهمه.»
51
ومن هذا نستطيع أن نحكم أن عبارة «حنين» واضحة المعنى جيدة الأسلوب، وأنه إذا اضطر استعمل المصطلحات العلمية بألفاظها؛ مثل «دغماطيقيين»، و«فسيولوغيا»، و«بطلوغيا»، وأن يتبعها بشرح معناها إلى أن تؤلف الكلمة في العربية، ويتحدد مدلولها، وأنه يضع المتن بين قوسين، ويتبع ذلك مما عنده من شرح. وقد جرى على هذا النمط علماء المسلمين بعد في كتبهم.
وعلى الجملة؛ فقد كان حنين ومدرسته خير من يمثل الثقافة اليونانية، وخير من قدم إلى قراء العربية نتائج القرائح اليونانية.
الفصل العاشر
| الثقافة العربية
للثقافة العربية ناحيتان هامتان (1)
ناحية دينية من دراسة للقرآن الكريم وحديث وفقه، ومن انتشار للثقافة الإسلامية بين أهل المملكة، وأثرها في عقولهم وأرواحهم. وهذا كله سنعرض له في مواضع متفرقة من الكتاب. (2)
وناحية لغوية أدبية، وهي ما سنتكلم فيه الآن، ذلك أن جزيرة العرب منبع اللغة العربية، ومولد الإسلام، والعرب هم الذين حملوا لغتهم معهم حيث يسكنون، وحيث يفتحون، ومحمد رسول الله