45
ومع هذا فنجد له كتبا كثيرة في غير الطب، فله كتب في المنطق، وفي الطبيعة والهيئة، في فلسفة أفلاطون وأرسطو. وقد أثبت البحث العلمي أن بعض الكتب التي نسبت إليه إنما هي من عمل تلاميذه ومدرسته لا من عمله.
وإذا نحن أدركنا أنه أخذ يترجم عن اليونانية - وقد اعترضته مئات الكلمات اليونانية التي لم يعرف لها نظير في اللغة السريانية والعربية من مصطلحات طبية وفلسفية، وأسماء للنبات والحيوان، والهيئة وغيرها، وأنه كان مضطرا أن يوجد لها ألفاظا عربية تقابلها إن أمكن، وأن يصقل الكلمات الأجنبية صقلا عربيا إن لم يمكن؛ علمنا أنه اضطلع بعبء ينوء بالعصبة أولي القوة، وأدركنا قدر عنائه، ومبلغ نجاحه.
وقد عاب الأستاذ «سيمون»
Simon (عند نشرة ترجمة حنين وحبيش لكتاب جالينوس) عليهما: «إن ترجمتها مملوءة بالفقرات الداخلية التي لم تكن في الأصل، وأن طريقتهما في التعبير حرفية، وليست دائما جميلة.» وقد رد عليه الأستاذ برجستراسر، ورأى أن حنينا وتلميذه حبيشا تجشما أكبر عناء في التعبير عن معنى أصول الكتب اليونانية بقدر ما يستطاع من الوضوح، وكانا يترجمان ترجمة حرفية حتى ولو ضحيا في ذلك بجمال اللغة وتنسيقها. لكن ترجمة حنين أفضل، ودقتها أعظم، ويخيل إلى الإنسان أنها ليست نتيجة مجهود صادق فقط، ولكنها نتيجة تمكن وثيق من اللغة، وحسن تصرف في مذاهبها، ويتجلى هذا في سلاسة التوفيق بين اليونانية والعربية، والدقة المتناهية في التعبير مع الإيجاز؛ تلك مميزات فصاحة حنين التي اشتهر بها.»
46
أهم ما امتاز به حنين الترجمة من اليونانية إلى العربية والسريانية، بدأ ذلك وهو في السابعة عشرة من عمره، ولكن كانت ترجمته ضعيفة لم ترضه لما أن نضج، فأعاد بعد بعض ما ترجم وصحح بعضا.
اتصل أول أمره بالمأمون، وعين في بيت الحكمة الذي كان يزخر بالكتب اليونانية التي نقلت من آسيا الصغرى، ومن القسطنطينية، فأخذ حنين يترجم منها إلى السريانية أولا، ثم إلى العربية، ثم ترجم للمعتصم والواثق والمتوكل.
ولم يكتف بما جمع في بيت الحكمة، بل رحل في نواحي العراق، وسافر إلى الشام والإسكندرية وبلاد الروم؛ يجمع الكتب النادرة، ومات سنة 264ه بعد أن عمر نحو سبعين عاما، بذل فيها من الجهد العلمي ما لا يستطيع غيره أن ينهض به في مئات السنين.
كان يترجم بنفسه، وكان يشرف على جماعات تعمل بإرشاده؛ فقد «جعل له المتوكل كتابا نحارير، عالمين بالترجمة. كانوا يترجمون، ويتصفح ما ترجموا، كاصطفن بن بسيل، وموسى بن خالد الترجماني، ويحيى بن هارون.»
47
كان يترجم كثيرا، ويؤلف كثيرا، وكان أحيانا يضع الشرح لما ترجم، ويلخص المطولات، ويصحح تراجم السابقين. وعلى الجملة فقد كان حركة علمية دائمة، قل أن تبارى، بل ظلت حركته التي أنشأها تعمل عمله بعد وفاته على يد ولديه وتلاميذه.
48
أكثر ما ترجمه حنين كتب طبية، وخاصة كتب جالينوس؛ فقد ذكروا «أنه ترجم إلى السريانية من كتب جالينوس خمسة وتسعين كتابا، وترجم إلى العربية منها تسعة وثلاثين، وأصلح ما ترجمه تلاميذه - وهي ستة - إلى السريانية، ونحوا من سبعين إلى العربية، وأصلح معظم الخمسين كتابا التي كان قد ترجمها من أنواع الأدب كالإلياذة، وبقية الروايات، والأشعار، والخطب اليونانية؛ سببه ما قدمنا. فهذان النوعان من النوع العالمي، قد جردا مما يلابسهما من حياة اجتماعية خاصة، وليس فيهما أسماء يونانية ثقيلة على سمع العربي ولسانه، ليس فيهما أوزان شعرية لا تسيغها العربية، ولا فيهما وصف لحياة اجتماعية بعيدة عما يألفه العربي المسلم.
وبعد؛ فقد كان تأثير اليونان واسعا عميقا في الفلسفة والعلوم الرياضية والطبية، ضيقا خفيفا في الناحية الأدبية.
فإن شئنا أن نختار من يمثل هذه الثقافة اليونانية؛ اخترنا لذلك «حنين بن إسحاق».