تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألفاظ يونانية عربت، ونلاحظ أنها أكثر ما تكون في أنواع ثياب يونانية أو رومانية لم يكن يعرفها العرب، ثم عرفوها ولبسوها، وأطلقوا عليها كلماتها الأصلية؛ مثل «البرجد»

Paragauda (وهو كساء غليظ مخطط)، وأبو قلمون (وهو ثوب رومي يتلون للعيون ألوانا)، أو أسماء أشياء عرفها العرب بعد اتصالهم بالرومان، ولم تكن من نتاج جزيرة العرب؛ كالزبرجد والزمرد والياقوت، ومقاييس أو موازين رومانية؛ كالقيراط والأوقية، أو أسماء طبية أو نباتية؛ كالبلغم، والقولنج، والبرقوق، واللوبيا، والترمس، أو كلمات نصرانية كالجاثليق، والبطريق، أو نحو ذلك.

41

ويظهر أن أكثر هذه الكلمات تسربت إلى العرب عن طريق الشام للسبب الذي أبنا قبل. (2)

قصص يونانية نقلت إلى العربية، وقد نقل ابن النديم أسماء كتب للروم في الأسماء والتاريخ ترجمت إلى العربية.

42

وحكى الجاحظ في كتاب الحيوان، قال: «كان في اليونانيين ممرور له نوادر عجيبة، وكان يسمى ريسيموس، والحكماء يروون له أكثر من ثمانين نادرة، ما من نادر ة إلا وهي غرة، وعين من عيون النوادر؛ فمنها أنه كان كلما خرج من بيته مع الفجر إلى شاطئ الفرات (للغائط أو للطهور) ألقى في أصل باب داره وفي دورانه حجرا؛ كي لا ينصفق الباب فيحتاج إلى معالجة فتحه، وإلى رفعه، وكان كلما رجع من حاجته لم يجد الحجر، ووجد الباب منصفقا. فكمن في بعض الأيام ليرى هذا الباب من يصنع به ما يصنع، فبينا هو في انتظاره إذ أقبل رجل حتى تناول الحجر، فلما نحاه من مكانه انصفق الباب، فقال له: مالك ولهذا الحجر، ومالك تأخذه؟ فقال: لم أعلم أنه لك. قال: فقد علمت أنه ليس لك! وقال بعضهم: ما بال ريسيموس يعلم الناس الشعر ولا يقول الشعر! قال: ريسيموس كالمسن الذي يشحذ ولا يقطع. ورآه رجل يأكل في السوق، فقال: أتأكل في السوق؟ فقال: إذا جاع ريسيموس في السوق أكل في السوق.»

43 ... إلخ. (3)

الحكم؛ فقد ترجمت حكم نسبت لفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون وأرسطو، وملئت بها كتب الأدب في ذلك العصر، مثل البيان والتبيين، وعيون الأخبار. وقال ابن النديم: إن علي بن ربن النصراني نقل كتابا في الآداب والأمثال على مذاهب الفرس والروم والعرب.

44 ... إلخ.

والظاهر أن ولوع العرب كان بهذين النوعين «القصص والأمثال» دون غيرهما.

ونقرأ ثبت الكتب التي ترجمها أو ألفها حنين، والتي ذكرها ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء؛ فنرى أنه تعرض لكثير من فروع العلم المختلفة، ففضلا عن كتبه الكثيرة في الطب كانت له كتب في الفلسفة وغيرها، فله كتاب في الهواء والماء والمساكن، وكتاب في تولد الفروج، بين فيه أن تولد الفروج إنما هو من بياض البيضة، واغتذاؤه من الملح الذي فيها، ومقالة في المد والجزر، وكتاب في أفعال الشمس والقمر، وكتاب السماء والعالم، وكتاب في المنطق، وكتاب في خلق الإنسان، ومقالة في تولد النار بين الحجرين، وكتاب في أحكام الإعراب على مذهب اليونانيين، وكتاب نوادر الفلاسفة والحكماء وآداب المتعلمين، وكتاب في الفلاحة، ومقالة في قوس قزح، وكتاب تاريخ العالم والمبدأ والأنبياء والملوك والأمم والخلفاء والملوك في الإسلام، ومقدمة كتاب فرفوريوس في المنطق، وكتاب في الفراسة، وكتاب في إدراك حقيقة الأديان.

ولو عددنا كل ما ترجمه وألفه، لخرج ذلك بنا عن القصد الذي قصدناه. ومن هذا نرى أنه هو ومدرسته نقلوا إلى العربية زبدة آثار اليونان، وتناولوها بالشرح والاختصار، وجعلوا الثقافة اليونانية في مختلف فروعها بين أعين العلماء من المسلمين والنصارى يقتبسون منها، وينتفعون بها. وكان عملهم هم وأمثالهم عزاء للمتكلمين في مذاهبهم، وفلاسفة المسلمين، الذي نبغوا في العصر الذي بعد عصرنا هذا.

وقد نقل حنين الترجمة نقلة جديدة لإتقانه اللغات المختلفة، فكان العلماء يدركون الفرق الكبير بين ما ترجمه حنين، وما ترجم قبله. قد كانت ترجمة حنين وافية دقيقة، وترجمة من قبله عليلة سقيمة، حتى إن ابن ماسويه لما قرأ قطعة من ترجمته أول أمره قال: «أترى المسيح في دهرنا هذا أوحى إلى أحد!» إعجابا بترجمته، واعترافا بأنها خارجة عن المألوف في الترجمة لعهده. «... إلى السريانية سجيس الرأسعيني، وأيوب الرهاوي، وسواهما من الأطباء المتقدمين.»

ضحى الإسلام · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٠٨