تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

37

وهكذا.

ويحكي ابن أبي أصيبعة: أن الرشيد كانت له جارية رومية اسمها خرشى، وكان لها من قرابتها أخت أو بنت أخت، فتفقدها الرشيد فلم يجدها، فسأل خرشى عنها فأعلمته أنها زوجتها من قريب لها، فغضب من ذلك، وقال: كيف أقدمت على ذلك بغير إذني، وأنت إنما اشتريتها من مالي! وأمر سلاما الأبرش بتأديب زوجها على عمله، فما زال سلام يتعرف خبره، حتى وجده فخصاه، وكانت الجارية الرومية قد علقت منه بغلام، فلما ولدت الجارية (وكان الرشيد قد توفي) تبنت خرشى الغلام، وأدبته بآداب الروم وقراءة كتبهم، فتعلم اللسان اليوناني علما كانت له فيه رياسة، وكان يعرف بإسحاق ابن الخصي، وكان يتصل به كثير من أهل العلم والأدب.

38

وكانت الحروب بين المسلمين والروم متواصلة في عصرنا هذا، وتقع الأسرى من كل من الجانبين في يد الآخرين؛ فأسرى المسلمين قد يذهبون إلى القسطنطينية، وأسرى الروم إلى العراق. والحكايات كثيرة في التاريخ عن النوعين من الأسارى، وخاصة في عهد الرشيد، فكان هذا سببا من أسباب امتزاج الحياة الاجتماعية، واقتباس كل من كل. وليس من المعقول أن يمر هذا الاتصال (بحكم الروم لكثير من البلاد الإسلامية أولا، ثم بالرق والأسر، ثم بالرق والأسر، ثم بالاحتكاك الدائم السلمي أحيانا، والحربي أحيانا) من غير أن يترك بعضا من المسلمين يتكلمون الرومية، وبعضا من الرومانيين يتكلمون العربية؛ فالرقيق الرومي مثلا في البيوت كان يتكلم الرومية أولا بالضرورة، ثم يتكلم العربية محرفة، ثم العربية القريبة من الصحيحة، وهكذا الشأن في أسرى المسلمين في الروم إن استقروا، وهذا يحمل بعض الأفراد الراقين من الجانبين على أن يتبادلوا الآراء والأفكار والكلام في اللغة والأدب. ويروي الأغاني في ذلك خبرا طريفا؛ فيقول: قدم رسول لملك الروم إلى الرشيد فسأل عن أبي العتاهية، وأنشده شيئا من شعره. وكان (أي الرسول) يحسن العربية، فمضى الرسول إلى ملك الروم وذكره له، فكتب ملك الروم إليه، ورد رسوله يسأل الرشيد أن يوجه بأبي العتاهية، ويأخذ فيه رهائن من أراد، وألح في ذلك، فكلم الرشيد أبا العتاهية في ذلك فاستعفى منه وأباه.

39 •••

وهذا يسلمنا إلى مسألة تستوقف النظر، وهو ضعف تأثير الأدب اليوناني إذا قيس بتأثير العلم والفلسفة اليونانية، فإنك تقرأ أسماء الكتب التي ترجمت من اليونانية إلى العربية فتجد الكثير في كل فرع من فروع العلوم الرياضية والطبية والفلسفة، ولا تكاد تعثر على كتاب أدبي يوناني ترجم إلى العربية مع وفرة ما لليونان والرومان من كتب أدبية، وقد ألمحنا بشيء من أسباب ذلك فيما مضى.

40

ونزيد هنا سببا آخر، وهو: أن الفلسفة والعلوم عالمية، والأدب قومي؛ ذلك أن الفلسفة والعلم نتاج العقل، والعقل قدر مشترك بين الأفراد والأمم، وإن اختلفوا في أنصبائهم منه، والمنطق الذي يضبط هذه العلوم يسيغه عقل الناس جميعا، وقواعد الهندسة والطب تطبق على الناس جميعا؛ أما الأدب فلغة العواطف، وليس للعواطف منطق يضبطها، والأدب ظل الحياة الاجتماعية، ولكل أمة حياة اجتماعية خاصة بها تمتاز عن حياة الأمم الأخرى في أشكالها ومراميها . من أجل ذلك تذوق العرب منطق أرسطو، وطب جالينوس، ولم يتذوقوا إلياذة هوميروس. ألا ترانا اليوم حتى في عصرنا الذي اتصل فيه الناس والأمم اتصالا أوثق مما كان في القديم لا يتذوق العربي منا الإلياذة، إلا أن يكون قد وقف على الحياة الاجتماعية اليونانية وأدرك كنهها، ومرن ذوقه طويلا على أن يستسيغها.

وسبب ثالث يصح أن يكون، وهو: أن الأدب اليوناني أدب وثني، فيه آلهة متعددة، وفيه عبادة أبطال، والذوق العربي حين ترجمت العلوم ذوق مسلم، لم يستسغ هذا النوع من الأدب الوثني.

ومع هذا فقد كان لليونان أثر في اللغة العربية والأدب العربي من وجوه: (1)

ضحى الإسلام · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٠٧