وتقرأ كتاب سيبويه فتجد ترتيبا وتبويبا منطقيا، يبدأ بتقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، ثم يعرف كل قسم، ويأتي بأمثلته ويذكر أحكامه، وهكذا. ومن ذلك أن أرسطو قال: «إن الزمان والمكان كالوعاء للأشياء؛ إذ لا بد لكل شيء مخلوق أن يكون واقعا في زمان من الأزمنة، وفي مكان من الأمكنة فهما كالوعاء له. وهذا أصل تسمية النحويين للمفعول فيه ظرفا؛ أي وعاء.»
33
وكما ألف إيساغوجي المقدمة أو المدخل في المنطق ألف ابن فارس «مقدمة في النحو».
وهذا القياس الذي شغل جزءا كبيرا من منطق أرسطو طبق تطبيقا دقيقا، وروعي في كثير من العلوم ؛ فالقياس في الفقه وأصوله، والقياس في النحو واللغة، والقياس في الفلسفة، وكان لهذا القياس أثر كبير في تفريع المسائل وتنويعها، ووضع المسائل المتشابهة تحت قاعدة واحدة، وطرد أحكامنا على ما لم يرد فيه حكم مأثور، سواء في ذلك الفقه والنحو واللغة، وكان لهذا كله أثر في تضخيم العلم وترتيبه وتبويبه.
34
هذا في الشكل، وأما في الموضوع؛ فقد كان للفلسفة اليونانية أثر كبير في تعاليم المتكلمين، نعرض له عند الكلام في المعتزلة. وكان للأفلاطونية الحديثة بعض الأثر في التصوف، نوضحه عند الكلام فيه. وكان لهما معا أثر كبير في الفلسفة الإسلامية، وهذا بتاريخ الفلسفة الإسلامية أشبه وأليق، وكان للبلاغة اليونانية أثر في علم البلاغة العربي، ولكنه دون بعد عصرنا الذي نؤرخه فلا نتعرض له الآن.
ولكن مما لا شك فيه أن العرب أو المسلمين استخدموا ما أخذوا من الثقافة اليونانية استخداما صالحا، وأخذوا منها ما أخذوا، ثم بنوا عليه، وزادوا فيه وابتكروا، ولم يكن موقفهم موقف الناقل فحسب. وكان كثير منهم ينظر بإحدى عينيه على الثقافة اليونانية، وبالعين الأخرى على التعاليم الإسلامية والثقافة العربية، فيختار من الأولى ما يتفق والثانية، ويؤلف منها مزيجا لا هو يوناني بحت، ولا إسلامي بحت؛ إنما أظهر ما كان ذلك في العصر الذي يلي عصرنا هذا هو العصر العباسي الثاني؛ فقد كانت الترجمة قد تمت وركزت، فأعقبها الأخذ بها والبناء عليها، وظهر أمثال إخوان الصفاء، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وأمثالهم. •••
وهناك نوع آخر خفيف من الثقافة اليونانية الرومانية، وأعني به الثقافة التي تنشأ من امتزاج الجنسين؛ أعني الجنس العربي، والجنس اليوناني الروماني في الحياة الاجتماعية، فقد كان هؤلاء الرومان يعيشون بين سمع العرب وبصرهم، ولهم عادات وتقاليد، وأفكار وآراء في نظم الحكم، ولهم فنون من غناء وتصوير وما إلى ذلك، فكان العرب يقتبسون من ذلك ما تيسر لهم، لا عن طريق الدراسة المنظمة، ولا عن طريق البحث العلمي، وإنما عن طريق المشاهدة والنظر، وعن طريق الحديث والمشافهة. ولئن كان العراق أهم منبع للثقافة اليونانية العلمية فقد كان الشام على ما يظهر أهم منبع لهذا النوع من الثقافة الاجتماعية، وسبب ذلك: أن الشام كان محكوما بالرومان وقت الفتح الإسلامي، وكانت سلطة الرومان عليه أكبر من سلطتهم على العراق لقرب العراق من الدولة الأخرى القوية (وهي الفرس)، ووقوعه تحت سيطرتها في أغلب الأحيان، وكان في الشام عرب كثيرون، ورومان كثيرون، اختلطوا اختلاطا تاما. وترك الرومان عند خروجهم عادات وتقاليد وفنونا ونظما اقتبس منها العرب.
من الأمثلة على ذلك الغناء؛ فيحدثنا الأغاني أن المسلمين اقتبسوا من الروم بعض غنائهم، وكان موضع الاقتباس هو الشام، فيقول في «ابن محرز»: إنه «سقط إلى فارس فأخذ غناء الفرس، وإلى الشام فأخذ غناء الروم، فتخير من نغمتهم ما تغنى به غناءه.»
35
ويقول ابن مسجح «إنه رحل إلى الشام، وأخذ ألحان الروم.»
36
وقد رأينا عند الكلام في الرقيق أن كثيرا منه كان من الروم، وكان هذا الرقيق من غلمان وجوار في قصور الخلفاء والأغنياء والشعراء والعلماء، فكان للمأمون جوار روميات، يلبسن لبسهن الرومي من زنار وما إليه، وكان لأبي تمام الشاعر غلام رومي،