تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27

وكذلك كان ابن سينا منطقيا طبيبا رياضيا طبيعيا فلكيا ... إلخ.

من أجل هذا نرى أن كثيرا من هؤلاء الأطباء والمنجمين الذين كان الخلفاء يمدونهم بالمال عنوا بترجمة كتب غير طبية ولا فلكية، أو أشرفوا على ترجمتها؛ فابن العبري يذكر «أن يوحنا بن ماسويه النصراني السرياني الطبيب ولاه الرشيد ترجمة الكتب الطبية القديمة، وكان له تصانيف جميلة، وكان يعقد مجلسا للنظر، ويجري فيه من كل نوع من العلوم القديمة بأحسن عبارة.»

28

ويقول: «إن يوحنا بن البطريق (الطبيب) الترجمان مولى المأمون كان أمينا على ترجمة الكتب الحكمية، حسن التأدية للمعاني، ألكن اللسان في العربية، وكانت الفلسفة أغلب عليه من الطب.»

29 ... إلخ. •••

كان لهذه الثقافة اليونانية أثر كبير في المسلمين، ومما زاد في أثرها أن اتصال المسلمين بها صاحب عصر تدوين العلوم العربية، فتسربت الثقافة اليونانية إليها، وصبغتها صبغة خاصة، كان لها تأثير كبير في الشكل، وفي الموضوع.

أما الشكل فيرجع إلى تأثير المنطق اليوناني، وقد صبغ العلوم العربية صبغة جديدة صبت في قالبه، ووضعت على منهاجه؛ إذ كان المنطق كما قال ابن سينا «خادم العلوم»، عني به المسلمون من أول عهدهم بالفلسفة، وقد رأينا أن ابن المقفع ترجم كتب المنطق لأرسطو، وتتابع المترجمون بعده يترجمون الكتب المنطقية، وكان المنطق الذي وصل إلى العرب هو منطق أرسطو معدلا ومضافا إليه، ومشروحا بمنطق الرواقيين والإسكندرانيين، ولم يزد العرب فيه شيئا يذكر؛ فكل المنطق الذي بين أيدينا هو منطق اليونان، لم يزد عليه الا بعض الشروح. وقد نقل نقلا صحيحا لم يدخله نقص ولا تهويش، كالذي كان في الإلهيات اليونانية. وقد كان منطق أرسطو وشروحه العربية أوسع وأعمق مما بين أيدينا من كتب المنطق اليوم؛ فكان القياس يشغل فيه حيزا كبيرا، وفيه كتاب واسع في البرهان، وآخر في الجدل وكيف يكون، وكيف تسلك في إفحام الخصم، وكان فيه باب للسفسطة، وباب في الخطابة، وباب في الشعر، وكانت الأبواب الخمسة الأخيرة، وهي: البرهان، والجدل، ولخطابة، والشعر، والسفسطة تبحث فيه بحثا وافيا.

30

ولكن المتأخرين حذفوا هذه الأبواب، أو ألموا بها إلماما يسيرا، واقتصروا على الكلام في الكليات الخمس والقضايا والقياس، مع أن الذي حذفوا أهم من الذي أثبتوا؛

31

وبذلك أفقدوا المنطق روحه.

على كل حال كان للمنطق سلطان كبير على العقول في العصر العباسي، وكان من جراء ذلك أن اصطبغت طريقة الجدل والبحث والتعبير والتدليل صبغة غير التي كانت تعرف من قبل، فإن أنت قارنت بين أسلوب القرآن الكريم، وأسلوب المتكلمين وجدت فرقا كبيرا يمكنك أن تلخصه في أن أساليب المتكلمين جارية على أساليب منطق أرسطو، وليس كذلك أسلوب القرآن.

وبحق وضع محمد بن إبراهيم الحسني اليمني الصنعاني كتابه المسمى «ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان»

32

فأسلوب القرآن في إثبات وجود الله تعالى:

قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله . وقوله تعالى:

أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج * تبصرة وذكرى لكل عبد منيب * ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد * والنخل باسقات لها طلع نضيد

إلى كثير من أمثال ذلك. أما أسلوب المتكلمين فمثل: «العالم حادث، وكل حادث لا بد له من محدث، فالعالم لا بد له من محدث.» إلى أمثال ذلك، وما يستتبعه من الجوهر والعرض، والكيفية والكمية، والعلم الضروري والنظري، وغير ذلك مما هو من تعبيرات الفلسفة اليونانية.

وكذلك الشأن إذا أنت قارنت بين تعبيرات الفقهاء في عصر الخلفاء الراشدين، والعصر الأموي، وبين تعبيرات الفقهاء في العصر العباسي بعد أن عرفوا المنطق؛ فإنك تجد التعبير الأول عربيا بحتا، وتجد الثاني أرسططاليسيا بحتا، فمثلا تقرأ الباب في موطأ الإمام مالك فتجده يذكر الحكم، ثم يحكي ما يدل عليه من حديث أو أثر، ثم لا تجد فيه أثرا لعلم المنطق، وتقرأ في كتاب الهداية مثلا التدليل الفقهي، وخاصة في المسائل الخلافية بين أبي حنيفة والشافعي؛ فترى أن قواعد الجدل التي وضعها أرسطو، وقواعد البرهان مطبقة في دقة تامة، فمقدمة صغرى، ومقدمة كبرى، والنتيجة، وأشكال القياس مستوفاة شروطها.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٠٥