كانت أول عناية الخلفاء العباسيين موجهة إلى الطب والتنجيم، والسبب في ذلك الحاجة الماسة إلى ذلك، فالمنصور احتاج إلى الطب لمرضه كما بينا، واحتاج إلى التنجيم؛ لأنه كان يعتقد أن هناك ارتباطا بين حركات النجوم وأوضاعها، وبين ما يحدث في عالمنا من نحس أو سعد. ومن ذلك الحين صار الطب والتنجيم عملين رسميين يتولاهما رجال رسميون؛ فجورجيس بن جبريل بن بختيشوع الجنديسابوري صار طبيبا للمنصور، ثم لما تقدمت به السن عين المنصور مكانه تلميذه عيسى بن شهلانا. واتخذ نوبخت الفارسي منجما له، فلما ضعف عين المنصور مكانه ابنه أبا سهل بن نوبخت. ولما تولى اتخذ المهدي طبيبه عيسى الصيدلاني الملقب بأبي قريش، واتخذ توفيل بن توما النصراني الرهاوي رئيسا لمنجميه. فلما تولى الرشيد اتخذ طبيبه بختيشوع بن جورجيس، ويوحنا بن ماسويه النصراني. ولما استخلف المأمون كثر في بلاطه الأطباء والمنجمون؛ فمن منجميه حبش الحاسب، وعبد الله بن سهل بن نوبخت، ومحمد بن موسى الخوارزمي، وما شاء الله اليهودي، ومن أطبائه سهل بن سابور، ويوحنا بن ماسويه، وجورجيس بن بختيسشوع، وعيسى بن الحكم، وزكريا الطيفوري، فلما آلت الخلافة للمعتصم كان طبيبه سلمويه، ثم يوحنا بن ماسويه.
23 ... إلخ.
فترى من هذا أن الطب والتنجيم أصبحا صناعتين تحميهما الخلفاء، وكانت حاجتهم إليهما حاجة عملية، فأمر الطب ظاهر، والتاريخ مملوء بالحكايات التي هرع فيها الخلفاء إلى المنجمين، فالمنصور استشار المنجمين في اختيار الوقت الذي يبدأ فيه ببناء بغداد، والمهدي لما هم بالخروج، على «ماسبذان» استشار توفيل بن توما النصراني المنجم،
24
والمعتصم نصحه المنجمون ألا يغزو «عمورية» إلا في أيام نضج التين والعنب فلم يصغ لقولهم وغزاها وفتحها. وقال أبو تمام في ذلك بائيته المشهورة: «السيف أصدق أنباء من الكتب». والواثق لما اشتد مرضه، أحضر المنجمين، منهم الحسن بن سهل بن توبخت، فنظروا في مولده فقدروا له أن يعيش خمسين سنة مستأنفة من ذلك اليوم، فلم يعش بعد قولهم إلا عشرة أيام
25 ... إلخ.
ولسنا ندعي أن الخلفاء لم يشجعوا من علم النجوم إلا هذا الضرب، فقد كان علم النجوم يشمل ما نطلق عليه علم الهيئة الآن، ويشمل كذلك البحث عن التغيرات التي تحدث في الأرض بسبب مواقع النجوم وتأثيرها. وكلا الأمرين كان عند اليونان، وكلا الأمرين عني به العباسيون، فرصدت الكواكب في عهد المأمون، وأصلحت آلات الرصد، وإنما الذي نريد أن نذكره أن الشغف بمعرفة أحكام النجوم هو الذي جذب الخلفاء أولا إلى تشجيع هذا العلم، ثم تدرجوا منه إلى تشجيع الفلك الرياضي البحت.
ويظهر لي أن هذين العلمين (الطب والنجوم) هما العلمان اللذان أوصلا المسلمين إلى ساحة العلوم الفلسفية، والسبب في ذلك أن التخصص الذي نفهمه الآن، ونراه في دراسة الطب والهيئة لم يكن معروفا في هذا العصر العباسي؛ فكان الطبيب والمنجم يلمان بكثير من المسائل الفلسفية. وتكاد تعد الفلسفة كوحدة، فروعها؛ الطب، والإلهيات، والحساب، والمنطق، والموسيقى، والهندسة، والهيئة، فالطبيب والمنجم يلمان غالبا بكل ذلك، ثم يتبحران في الطب أو التنجيم، وكانت رغبة الأطباء والمنجمين في إتقان فنونهم تحملهم على معرفة اللغات الأجنبية، وخاصة اليونانية، فإذا حذفوها أقبلوا على الكتب المؤلفة فيها من جميع فروع الفلسفة. وقد نقل إلينا ابن النديم ثبتا بأسماء الكتب التي كان يدرسها المتطببون، فإذا فيها طب وتشريح، وما إلى ذلك، ثم فيها منطق وأخلاق، وبحث فيما وراء المادة، وكان مما يقرءون كتاب موضوعه «أن الطبيب الفاضل يجب أن يكون فيلسوفا».
26
واستمر هذا الحال حتى في من نبغ بعد من الفلاسفة المسلمين؛ فيعقوب الكندي مثلا «كان عالما بالطب والفلسفة وعلم الحساب والمنطق، وتأليف اللحون والهندسة، وطبائع الأعداد والهيئة»،