20
وقال في موضع آخر : «إن أول علم اعتني به من علوم الفلسفة؛ علم المنطق والنجوم، فأما المنطق فأول من اشتهر به في هذه الدولة عبد الله بن المقفع الخطيب الفارسي، كاتب أبي جعفر المنصور، فإنه ترجم كتب أرسططاليس المنطقية الثلاثة التي في صورة المنطق، وهي كتاب «قاطغاورياس»، وكتاب «باري أرمنياس»، وكتاب «أنولوطيقا»، وذكر أنه لم يكن ترجم منه إلى وقته إلا الكتاب الأول فقط، وترجم مع ذلك المدخل المعروف «بايساغوجي لفورفوريوس الصوري»، وعبر عما ترجم من ذلك عبارة سهلة قريبة المأخذ، وترجم مع ذلك الكتاب الهندي المعروف بكليلة ودمنة، وهو أول من ترجم من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية ...
وأما علم النجوم؛ فأول من عني به في هذه الدولة محمد بن إبراهيم الفزاري، وذلك أن الحسن بن محمد بن حميد المعروف بابن الآدمي ذكر في زيجه الكبير المعروف ب«نظم العقد» أنه قدم على الخليفة المنصور في سنة 156 رجل من الهند عالم بالحساب، المعروف بالسند هند في حركات النجوم، فأمر المنصور بترجمة ذلك الكتاب إلى اللغة العربية، وأن يؤلف منه كتابا تتخذه العرب أصلا في حركات الكواكب، فتولى ذلك محمد بن إبراهيم الفزاري، فكان أهل ذلك الزمان يعملون به إلى أيام الخليفة المأمون.
21
ونحن إذا استعرضنا ما حكي عن الترجمة ونشأتها أمكننا أن نستنتج منها النتائج الآتية: (1)
أن أول نقل حدث في الإسلام كان بفضل خالد بن يزيد بن معاوية، والذي نقل له هو «اصطفن»، وهو من الإسكندرية، وكان هذا النقل من اللغة اليونانية والقبطية إلى العربية. وإن خالدا إنما كان أهم ما يعنى به الصنعة أو الكيمياء، والغرض بها تحويل المعادن إلى ذهب، ويظهر أن الذي دعاه إلى ذلك أنه كان شابا يطمع في الخلافة؛ إذ كان أبوه (يزيد بن معاوية) خليفة، وأخوه (معاوية بن يزيد) خليفة، ثم نحي عن الخلافة، وغلبه عليها مروان بن الحكم، فصدم من ذلك صدمة قوية، فتحول إلى ملهى شريف يلهو به ويناسب أرستقراطيته، فكان ذلك هو «الصنعة» رأى أنه إذا استطاع أن يحول المعادن إلى ذهب استطاع أن يحول الناس إليه، أو على أقل تقدير كان له من المنزلة ما يحسده عليها الخلفاء. قال ابن النديم: «كان خالد جوادا، يقال إنه قيل له: لقد فعلت أكثر شغلك في طلب الصنعة! فقال خالد: ما أطلب بذاك إلا أن أغني أصحابي وإخواني، إني طمعت في الخلافة فاختزلت دوني، فلم أجد منها عوضا إلا أن أبغي آخر هذه الصناعة، فلا أحوج أحدا عرفني يوما أو عرفته إلى أن يقف بباب سلطان، رغبة أو رهبة.»
22
وقد اشتغل بالنجوم على أنها قد تكون وسيلة تساعد على الوصول إلى «الصنعة»؛ إذ كان علم النجوم ممزوجا بعلم أحكامها، وتأثيرها في العالم السفلي، فلعله أمل فيه عونا إلى الوصول إلى بغيته. (2)
أنه عني في الدولة الأموية بالطب بعض عناية؛ لأن الناس في حاجة مادية إليه، ولأنه أبعد العلوم الأجنبية عن أن يؤثر في الدين، ولهذا لم يتحرج من إجازة الترجمة فيه أتقى بني أمية عمر بن عبد العزيز. (3)
أن محاولة الترجمة في العهد الأموي كانت محاولات فردية، تموت بموت الأفراد القائمين بها، أما في الدولة العباسية فكانت الترجمة عمل أمة لا عمل أفراد، وإن شئت فقل: كان في الدولة العباسية مدرسة كبيرة للترجمة، لا يضيرها موت فرد أو أفراد منها. (4)
كانت الترجمة في العهد الأموي مقصورة على العلوم العملية كالصنعة والطب والنجوم (بالمعنى الذي فسرناه)، ولم يتعد ذلك إلى العلوم العقلية كالمنطق والفلسفة والهندسة، وما إلى ذلك؛ فهذه لم تكن إلا في الدولة العباسية. (5)
نرى أن المسلمين اتصلوا بالفلسفة اليونانية أول الأمر من طريق الفرس؛ فقد ترجم ابن المقفع كتبا من منطق اليونان، والظاهر أنه نقلها من الفارسية؛ إذ لم يعرف عنه أنه يعرف اليونانية، ثم تولى الترجمة بعد النصارى من النساطرة واليعاقبة من السريانية إلى العربية. (6)