18
وكذلك كان يعتقد في التنجيم - كما سيأتي بيانه - فقرب إليه المنجمين. والرشيد رباه البرامكة على حب العلم، والمأمون رباه الرشيد والبرامكة، وقد حذا حذو الخلفاء كثير من أفراد الشعب كبني موسى بن شاكر.
إذا علمت ذلك؛ علمت فساد رأي من ينسب ترجمة الكتب اليونانية إلى رؤيا رآها المأمون أو نحو ذلك؛ فقد ذكر صاحب الفهرست «أن أحد الأسباب التي من أجلها كثرت كتب الفلسفة وغيرها من العلوم القديمة أن المأمون رأى في منامه كأن رجلا أبيض اللون مشربا حمرة، واسع الجبهة، مقرون الحاجب، أجلح الرأس أشهل العينين حسن الشمائل، جالس على سريره. قال المأمون: وكأني بين يديه قد ملئت له هيبة، فقلت: من أنت؟ قال: أنا أرسطاليس. فسررت به وقلت: أيها الحكيم، أسألك؟ قال: سل. قلت: ما الحسن؟ قال: ما حسن في العقل. قلت: ثم ماذا؟ قال: ما حسن في الشرع. قلت: ثم ماذا؟ قال: ما حسن عند الجمهور، قلت: ثم ماذا؟ قال: لا ثم. وفي رواية أخرى؛ قلت: زدني، قال: من نصحك في الذهب فليكن عندك كالذهب، وعليك بالتوحيد. فكان هذا المنام من أوكد الأسباب في إخراج الكتب.»
19
وروى ابن أبي أصيبعة هذه القصة بشكل آخر، فقال إن المأمون رأى في منامه كأن شيخا بهي الشكل جالس على منبر وهو يخطب، ويقول: «أنا أرسططاليس.» فانتبه من منامه، وسأل عن أرسططاليس، فقيل له رجل حكيم من اليونانيين، فأحضر حنين بن إسحاق؛ إذ لم يجد من يضاهيه في نقله، وسأله نقل كتب الحكماء اليونانيين إلى اللغة العربية، وبذل له من الأموال والعطايا شيئا كثيرا.
فهذه القصص وأمثالها لا يصح أن تكون سببا، وإنما كانت الترجمة لأسباب طبيعية، هي التي ذكرنا. ورواية ابن أبي أصيبعة أبعد عن الحقيقة؛ فمن المستحيل ألا يسمع المأمون باسم أرسطو حتى يأتيه في المنام ويقول له أنا أرسطو! وحكاية ابن النديم إن صحت دلتنا عل أن الحلم كان انعكاس صورة طبيعية لما كان يفكر فيه المأمون في اليقظة. •••
قال في طبقات الأمم لصاعد الأندلسي: «كانت العرب في صدر الإسلام لا تعنى بشيء من العلم إلا بلغتها، ومعرفة أحكام شريعتها، حاشا صناعة الطب، فإنها كانت موجودة عند أفراد من العرب، غير منكرة عند جماهيرهم، لحاجة الناس طرا إليها، ولما كان عندهم من الأثر عن النبي
صلى الله عليه وسلم
في الحث عليها حيث يقول: «يا عباد الله تداووا فإن الله (عز وجل) لم يضع داء إلا وضع له دواء إلا واحدا وهو الهرم.»
فهذه كانت حالة العرب في الدولة الأموية، فلما أدال الله تعالى للهاشمية، وصرف الملك إليهم ثابت الهمم من غفلتها، وهبت الفطن من سنتها، فكان أول من عني منهم بالعلوم الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور، فكان رحمه الله مع براعته في الفقه مقدما في علم الفلسفة، خاصة في علم صناعة النجوم، كلفا بها وبأهلها.
ثم لما أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع منهم عبد الله المأمون بن الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور؛ تمم ما بدأ به جده المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه، واستخرجه من معادنه بفضل همته الشريفة، وقوة نفسه الفاضلة، فداخل ملوك الروم وأتحفهم بالهدايا الخطيرة، وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة، فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسططاليس وأبقراط، وجالينوس وإقليدس، وبطليموس، وغيرهم من الفلاسفة؛ فاستجاد لها مهرة التراجمة، وكلفهم إحكام ترجمتها، فترجمت له على غاية ما أمكن، ثم حض الناس على قراءتها، ورغبهم في تعلمها، فنفقت سوق العلم في زمانه، وقامت دولة الحكمة في عصره، وتنافس أولو النباهة في العلوم لما كانوا يرون من إحظائه لمنتحليها، واختصاصه لمتقلديها؛ فكان يخلو بهم، ويأنس بمناظرتهم، ويلتذ بمذاكرتهم، فينالون عنده المنازل الرفيعة والمراتب السنية، وكذلك كانت سيرته مع سائر العلماء والفقهاء المحدثين والمتكلمين، وأهل اللغة والأخبار والمعرفة بالشعر والنسب، فأتقن جماعة من ذوي الفنون والتعلم في أيامه كثيرا من أجزاء الفلسفة، وسنوا لمن بعدهم منهاج الطلب، ومهدوا أصول الأدب، حتى كادت الدولة العباسية تضاهي الدولة الرومية أيام اكتمالها، وزمان اجتماع شملها.»