تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدور الثالث:

من أتى بعد هؤلاء، ومن أشهر المترجمين فيه متى بن يونس، كان في بغداد سنة 320، وسنان بن ثابت بن قرة مات سنة 360، ويحيى بن عدي سنة 364، وابن زرعة سنة 398، وأهم ما ترجموا الكتب المنطقية والطبيعية لأرسطو، وتفسيرها.

16 •••

وقد كان الباعث على هذه الترجمة، ونشاطها في الدولة العباسية أمورا:

الأول:

أن العهد الأموي كان عهدا بدويا في الجملة، ظهرت فيه سيادة العرب على غيرهم من الأمم أوضح ظهور، والعرب في ذلك العصر لم يتأصل فيهم ميل إلى فلسفة؛ إنما كان يعجبهم الأدب العربي، والتحدث بأيام العرب، ولذة خلفائهم إنما هي في الإصغاء إلى قصيدة عربية، والاستفسار عن لفظ غامض، وما إلى ذلك. فلما جاء العصر العباسي، وأمعن المسلمون في الحضارة، وسادت العناصر غير العربية؛ رأوا أن حياة الحضارة لا بد أن تستند إلى العلم، فمالية الدولة تحتاج إلى حساب دقيق، وعيشة الحضارة المركبة تحتاج إلى أدوية مركبة، وعلاج مركب. ومتى لجأ الناس إلى نوعين من العلوم، وأخذوا يعالجونه عن الأمم الأخرى؛ دعاهم الشغف إلى تعرف ما عند الأمم المختلفة من العلوم جميعها، ولو لم يكن لهم بها حاجة ماسة مباشرة.

الثاني:

أن الحركة الدينية كانت قد بلغت في آخر الدولة الأموية شأوا بعيدا كما ذكرنا في فجر الإسلام، وجرهم البحث إلى أن يتكلموا في القضاء والقدر ونحوه، ورجحت عند قوم عقيدة الجبر، وعند آخرين عقيدة الاختيار، وتجادل المسلمون فيما بينهم، ثم تجادل المسلمون والنصارى واليهود: أي الأديان خير؟ وأي آراء الأديان في المسائل الجزئية أصح؟ وكان المعتزلة يحملون لواء الدفاع عن الإسلام، ومقارعة خصومه، وكان كل من اليهودية والنصرانية تسلح من قبل بالمنطق اليوناني، والفلسفة اليونانية يستخدمها في الجدل، فأحس المسلمون أنه لا بد من محاربتهم بآلاتهم، فعكفوا على المنطق والفلسفة يستخدمونهما في أغراضهم، وفيما هم كذلك شعروا بلذة عقلية من دراسة الفلسفة؛ فبعد أن كانت تطلب على أنها وسيلة للدفاع عن الدين أصبحت غاية في نفسها تطلب لذاتها.

وسبب ثالث:

حكاه الأستاذ نيللنو، وهو أنه «في أواخر مدة الدولة الأموية ثبتت سلطة الإسلام على جميع الأمصار والأقطار التي دخلتها ألويته عنوة أو صلحا أثناء المغازي المتواصلة والفتوح، من أقصى بلاد ما راء النهر في تركستان، إلى منتهى المغرب والأندلس؛ فعمت اللغة العربية الشريفة أهل تلك الولايات والبلدان، وغلبت على ألسنتهم الأصلية، فأخذ المسلمون كلهم من أي جنس أو أمة لا يستخدمون في الإنشاء والتأليف إلا لغة العرب، فابتدأت وحدة الدين تستوجب أيضا وحدة اللسان والحضارة والعمران، فصار الفرس وأهل العراق والشام ومصر يدخلون علومهم القديمة في التمدن الإسلامي الجديد.»

17

وسبب رابع:

وهو ميل أفراد من الخلفاء في العصر العباسي إلى العلوم الفلسفية، والخلفاء عادة أقدر الناس على التغريب فيما أحبوا، والناس أسرع ما يكون إلى تحقيق أغراضهم، والولوع بما أولعوا به، وأكثر الخلفاء العباسيين ميلا إلى ذلك في عصرنا كان المنصور والرشيد والمأمون. ويظهر أنه قد كان لكل منهم أسباب خاصة حملته على ذلك؛ فالمنصور كان ممعودا، ويظهر أن ذلك حمله على العناية بالطب والأطباء، جاء في الطبري عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه، أنه كان يقول: «كان المنصور لا يستمرئ طعامه، ويشكو ذلك إلى المتطببين، ويسألهم أن يتخذوا له الجوارشنات. فكانوا يكرهون ذلك، ويأمرونه أن يقل من الطعام، ويخبرونه أن الجوارشنات تهضم في الحال، وتحدث من العلة ما هو أشد منها عليه، حتى قدم عليه طبيب من أطباء الهند، فقال له كما قال له غيره، فكان يأخذ له سفوفا جوارشنا يابسا، فيه الأفاويه والأدوية الحارة، فكان يأخذه فيهضم طعامه، فأحمده.. إلخ.

ضحى الإسلام · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ١٠١