ثم تري أي حكمة هذه التي قصد الله في ألا يترك لنا من سبيل للكشف عن تفاصيل ما أورده في كلمات قليلة في كتابه إلا بأن نلجأ إلى ما في الأناجيل المتداولة نفسها ، ثم ألا نجد معياراً للكشف عن الحقيقة بين كلامه وبين ما جاء في هذه الأناجيل إلا المعيار الذي يأخذ به المسيحيون أنفسهم ، أليست هي حكمة بالغة ألا يكون الدليل على صدق كلامه سبحانه وتعالى بالنسبة لمن ينفون صحته إلا فيما يقولونه هم أنفسهم وفيما يؤمنون به من الكتاب المقدس وفيما يرتضونه حكماً في الأمر ، أليست هي حكمة بالغة إذ بهذا وحده لا عذر لهم بعد ألا يؤمنوا ، وبهذا وحده لا يملكون إلا أن يؤمنوا ، ولو كان الدليل غير هذا لما قبلوا أن يؤمنوا .
لعمري ، أن هذا وحده لكاف عندي لأومن بأن القرآن هو وحي الله وكلامه نزله على رسوله الأمين ، ولكني لم أتصورني يوماً أملي رأيي أو أفرضه علي غيري ، وإنما أسأل من ينكرون أن القرآن كتاب الله ، أن يتأملوا بأنفسهم في كل ما سبق ، ثم ليحكموا بأنفسهم وفق ما يمليه عليهم ضميرهم وإيمانهم فحسب .