فأي عقل وأي منطق يمكن أن يقبل بعد ذلك القول بأن هذا الكلام موحي به من الله ، إذا كان قائله نفسه ينفي عنه هذا الوحي ، فهو في الآيات الأولى يقول أنه هو الذي يقول ما سيقوله لا الرب ، وفي الثانية يقطع بأنه لا يعرف حكم الرب في الأمر ولكنه يجتهد ويقول ما يظنه ، فهل يصح القول بعد ذلك ، بأن هذه الآيات موحي بها ، إن المستحيل أن يكون الجواب بالإيجاب ، وإذا كان الروح القدس يرشده في هذا الذي يكتبه ، فلم إذن لا يقول لنا ذلك وفيم نفيه أن يكون هذا ما يراه فيما تحدث فيه .(1)
على أن يراعي هنا أن هذا لا يعني أن القائل يقصد أن باقي ما كان يقوله موحي به إليه من الله ، ذلك أنه إنما كان يفتي في أمور فقال فيها ما كان يعتقد أنه حكم الله ، ولو سئل أي قس في أي أمر لأجاب بما يعتقد أنه حكم الله ، دون أن يعني ذلك بأي حال أن ما يجيب به موحي به إليه من الله .
ومما نقرؤه للمسيحيين في تأكيد الوحي بالنسبة للأناجيل المتداولة ، وفي أنها هي المقصودة بإنجيل المسيح ، أن المسيح قد قال كما جاء في إنجيل متى ( فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ) (ص5 : 18) ، وبالتالي فالإنجيل عندهم لا يمكن أن يزول ، وعلى هذا فإن ما يعتقده المسلمون من زوال إنجيل المسيح الذي يؤمنون به ، ومن أن هذه الأناجيل المتداولة ليست إنجيل المسيح الذي يؤمنون به ، كل ذلك ، وعملاً بهذه الآية ، لا يمكن أن يكون صحيحاً ، وهنا فقد وجدناهم يقولون بزوال رسالتين من رسائل شاول الذي لقبوه ببولس الرسول ، فإذا كانت رسائل شاول من العهد الجديد ، فهل تختلف في ذلك عن الأناجيل ، بالطبع لا كما يعتقدون فكيف إذن زالت رسالتان أم أن هاتين الرسالتين لو بقيتا لما اعتبرتا من العهد الجديد ، وهذا غير صحيح بالطبع .(1)