( وبناء على هذه المعتقدات نرى عامة المسلمين يسلمون – بسهولة فائقة – بأن هذه الوساطة البشرية لم تترك أثراً بالمرة لشخصيات الرسل الموحي إليهم . بل نراهم يقولون أن كل كلمة ، وكل حرف ، إنما أوحي إليهم من السماء ، وبلغ بوساطتهم إلى العالم بطريقة آلية (ميكانيكية).
فالنظر إلى الوحي الإلهي من الناحية الإسلامية العامة ، يخالف النظر إليه من الناحية المسيحية ، فنحن معشر المسيحيين نؤمن ، كما يؤمن معنا أعلام فلاسفة المسلمين وحكمائهم كابن سينا وابن رشد والفارابي وغيرهم ، أن ليس عند الله لغات ولا حروف ، فليس عنده إذا انزال (آلي) . فالاعتقاد المسيحي عن الوحي هو ما قاله الرسول بطرس في رسالته الثانية (2 بط 1 : 21) ( تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ).
فمعني الوحي عندنا هو إظهار حقائق غير ممكنة معرفتها بقوانا الطبيعية : كسر الثالوث الأقدس والتجسد . وأما ما يمكن للعقل أن يصل إليه ، ولكن تحت خطر الضلال فيسمي إلهاماً والوحي والإلهام أمر واحد بالنسبة لله تعالى ، وأمران بالنسبة للعقل البشري . وهما لا يعنيان أن الله لقن الكتبة الذين كتبوا الأسفار المقدسة ما سطروه حرفاً حرفاً ، من تعاليم وتواريخ ، بل أنه حركهم للكتابة ، وأنار عقولهم بالمعرفة ، وحفظهم من الزلل ، وليس في هذه الدرجات الثلاث ما يستحيل على الله تعالي ، أو ينافي شيئاً من صفاته ، كما أنه ليس فيها ما ينزع عن الإنسان حريته ونبوغه الذاتي .