واكتشاف جراثيمه قد يحتاج إلى البصر الدقيق المتفرس، ولكنه يسهل بين العوام ويصعب بين المتدينين، فإن الشعائر الرتيبة قد تنسج حجابا سميكا على طبائع الناس، ولكنها لا تمحو رذائلهم إلا إذا جاهدوا أنفسهم جهادا شديدا. وكيف يجاهد نفسه معجب بها راض عنها! وفقر الثقافة الإسلامية من دعاة أطباء القلوب نقص رهيب.. وكان المفروض أن ينهض التصوف بهذا الجانب كما فعل رجاله القدامى، ولكن أغلب الطرق تضم مجانين وملتاثين لا حصر لهم.. وأشهد أن حسن البنا كان مربيا صادق الفراسة ناجع الدواء، وكانت طهارة باطنه لا يساويها إلا رحابة أفقه وذكاء فكره.. قلت له يوما ـ وأنا طالب محتد المشاعر ـ لماذا لا نكره فلانا وفلانا؟ فقال لى على عجل وهو ينظر إلى بجد : لا يكن فى قلبك سواد لأحد، اكره عملهم وتمن الهدى لهم.. وحملقت فيه كأنى لا أفهم، فأعاد النصح بحنان وعطف: لماذا يكون فى قلبك حقد على الناس؟ لقد عرفت فيما بعد، بعض أسرار العظمة فى نفس الرجل الضخم، ورأيت من مواريث النبوة فى أخلاق حسن البنا أنه غزير الحب للناس، وأنه يأسى لمخطئهم ويتمنى له المتاب.. ألم يقل النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى أعقاب نكبة أحد : اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون؟ ألم يقل الله لنبيه ـ وقد برَّح به الحزن لضلال الضالين ـ (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا).. إن الذى لا يحسن التنقيب فى جنبات نفسه لاكتشاف عللها لا يصلح لا داعيا ولا مربيا.. والذى يحرص على اتهام الناس بالكفر والإغضاء عن جهادهم والشماتة فى أخطائهم هو امرؤ مريض الفؤاد.. وقد لاحظت فى المهندس شكرى أمرا جديرا بالنظر ـ لأنه منذ أخذ وحوكم وقتل ـ اتصل به رجال مريبون من سماسرة النظم العلمانية الحاضرة.. يقول الشيخ ص _180
دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين · الصفحة ١٧٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
دستور الوحدة الثقافية بين المسلمينص ١٧٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي