وهذه طريقة كثير من الناس. حيث يركزون النظر على الأطراف المتقابلة دون الالتفات إلى الأوساط. فالشىء عندهم إما أبيض فقط أو أسود فقط، ناسين أن هناك من الألوان ما ليس بأبيض خالص ولا بأسود خالص، بل بين بين. ولا عجب أن نجد فئة من الناس، إذا وجدت فردا أو مجتمعا لا يتحقق بصفات الإيمان الكامل، بل توجد فيه خصائص النفاق، أو شعب الكفر، أو أخلاق الجاهلية، سارعت إلى الحكم عليه بالكفر المطلق، أو النفاق الأكبر، أو الجاهلية المكفرة، لاعتقادهم أن الإيمان لا يجامع شيئا من الكفر أو النفاق بحال. وأن الإسلام والجاهلية ضدان لا يجتمعان. وهذا صحيح إذا نظرنا إلى الإيمان المطلق "أى الكامل " والكفر المطلق، وكذلك الإسلام والجاهلية والنفاق. أما مطلق إيمان وكفر، أو مطلق إيمان ونفاق، أو مطلق إسلام وجاهلية، فقد يجتمعان. كما دلت على ذلك " النصوص " وأقوال السلف رضى الله عنهم. ففى الصحيح أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لأبى ذر رضى الله عنه: إنك امرؤ فيك جاهلية هذا وهو أبو ذر فى سابقته وصدقه وجهاده. وفيه : "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق". وروى أبو داود عن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال: "القلوب أربعة: قلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح وذلك قلب المنافق، وقلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة يمدها ماء طيب، ومثل النفاق مثل قرحة يمدها قيح ودم، فأيهما غلب عليه غلب ". وقد روى مرفوعا، وهو فى مسند أحمد مرفوع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الذى قاله حذيفة يدل عليه قوله تعالى: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان). فقد كان قبل ذلك فيهم نفاق مغلوب، فلما كان يوم أحد، غلب نفاقها، فصاروا إلى الكفر أقرب. "وروى عبد الله بن المبارك ـ بسنده ـ عن على بن أبى طالب قال: ص _175
دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين · الصفحة ١٧١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
دستور الوحدة الثقافية بين المسلمينص ١٧١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي