تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا بلاء قديم حاربه الأئمة الواعون والدعاة الصادقون، فإن شهوة الملق عند شيخ منافق أوغل فى الفساد من شهوة الزنى عند شاب طائش... والآفات النفسية المهلكة معروفة لدى علماء التربية. ومن الإنصاف ألا نجعلها حكرا على الكبار، فقد رأيت فقراء متكبرين وأغنياء متواضعين! ورأيت رؤساء مخلصين وعوام مداهنين! ورأيت ناسا فى ساحات العمل للدنيا يستحقون الاحترام، وناسا آخرين يزحمون ساحات العمل الأخروى يستحقون الطرد إن القلب السليم هو المحور الفذ للقبول، والله وحده يعلم أين يكون.. وقد كنت أحسب أن التزوير أشيع فى ميدان التدين، ثم رأيت أنه فى ميدان السياسة بارز الآثار، فأدركت أن الأمر ليس أمر مقارنة بين ميدان وميدان وإنما هو معالجة لعلل القلوب، وتقليب لأغوار النفس الإنسانية حتى لا يهرب داء عن أيدى الأطباء.. كان علماؤنا الأوائل موفقين عندما قسموا المعاصى إلى معاصى قلوب ومعاصى جوارح، أو بتعبير معاصر: معاص بدنية ومعاص نفسية... إن المعاصى البدنية شهوات محدودة الخطر ـ على قبحها وسوء مغبتها ـ فالإسراف فى الطعام مثلا، يسلب المرء عفته. وربما كانت للبدن تطلعات أشد ضراوة، ومع ذلك فهى أدنى من جنون العظمة أو عبادة الذات التى تقود إلى الفرعنة وقسوة القلب وإهلاك الحرث والنسل فى سبيل المجد الشخصى!!. إن الشعوب دفعت الألوف المؤلفة من أرواح بنيها، والقناطير المقنطرة من كسبها وكدها، لتلبى طموح زعيم مغرور أو رئيس مغامر، مقل فى مواهبه الرفيعة مكثر فى مطامعه السيئة! ومعاصى القلوب، أو الرذائل النفسية تسيطر على أصحابها فلا يعرفون منها متابا، لأنهم لا يحسون دمامتها. وتأمل فى موقف إبليس بعد ما عصى الأمر بالسجود، لقد مضى فى تحديه يقول لله: أهذا آدم الذى فضلته على؟ (أرأيتك هذا الذي كرمت على لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا). والاغترار بالنفس أو الدوران حول الذات لا يبدو فى طلب الرياسة بالأساليب القذرة وحسب،

دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين · الصفحة ١٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دستور الوحدة الثقافية بين المسلمينص ١٣٩