تعارض أمر الجماعة والانضمام إليها مع بعض الأهواء أو الواجبات الذاتيّة انصرف عنها المسلم وهو لا يشعر بأدنى نوع من أنواع النّدم والشّعور بالذّنب، إلاّ أنّ وجود مثل هذه الفتاوى القائلة ببدعيّة التّنظيم والتّجمّع وعدم شرعيّته أحدثت هزّة داخل الفرد الذي يسيّره الدّليل، أو الذي يملكه الشّعار، حتى أنّ بعض التّيّارات الإسلاميّة بدأت تطرح نفسها على شكل جماعة وتنظيم، فيه بعض مقوّمات التّنظيم البسيطة والأبجديّة، إلاّ أنها تحت ضغط هذه الأفكار اضطرّت إلى تحليل نفسها، وتنازلت عن بعض المقوّمات حتّى صارت تطرح نفسها على شكل تيّار فكريّ ما، دوره فقط نشر الأفكار، أو بعض التّوجّهات دون حصول دعوة التّجمّع والتّنظيم، وهذه الصّورة، وهي صورة نشر الأفكار على شكل نثار لا رابط تنظيميّ يجمع بينه تلا قي قبولاً شديداً لدى المسلم المتخلّف فكراً وإرادة، فهو أمر يسقط عنه تبعيّة المساءلة أو التّكاليف، ثمّ هو لا يضطرّ في بعض المواقف أن يدافع عن الجماعة كمفهوم ولا عن الجماعة كوجود حقيقيّ ينتمي إليه، وهذه الصّورة السّلبية كذلك - وهو طرح الفكر كتيّار جامع لا تنظيم فيه - لا تعتبر شرعيّة في نظر تيّار التّخلّف، لأنّه هو صورة من صور التنظيم البدعيّة عندهم كذلك، ولذلك لم يحصل له الرّضا والموافقة، فهو معرّض للهجوم دوماً، وللتّبديع في كلّ وقت، ولعلّ البعض ما زال يرتكس في شهواته وأهوائه، فهو حين يطرح التّنظيم يطرحه كأمرٍ منفّر غير مقبول.
ومن الشّعارات الّتي صارت مألوفة لدى المسلم السنّي المتخلّف، أنّ الإسلام لا حزبيّة فيه، أو أنّ الحزبيّة شرّ، ثمّ يبدأ يعدّد مضارّ الحزبيّة وشرورها، حتى يهيأ للقارئ أنّ الحزبيّة هي شرّ بذاتها ولا خير فيها، وأنّها لا تنشئ إلاّ البدعة والضّلال، وهم يظنّون أنّ التّنظيم والتّحزّب لا بدّ أن ينشئ هذه الأخطاء، ولا خروج منها إلاّ بأن يسلم الرّجل بنفسه، وينفرد بالعمل والتّفكير، مع أنّ هذه الأخطاء الّتي تنشأ في التّجمّعات، هي الّتي تكسب الإسلام وتصبغه صبغة العمليّة والموضوعيّة، فصلاة الجماعة مثلاً هي تجمّع وتحزّب، فيها أمير، وبينه وبين الأتباع عقد، وقوّة الإلزام فيه الوجوب والفريضة، حتّى أنّ التّابع يجب عليه أن يقلّد ويسير بسير القائد حتّى في ضعفه وخطئه (إلى حدٍّ بيّنه الشّارع) فلو أنّ الإمام صلى قاعداً لعجز أصابه، والمأموم قادر على أن يصلّي قائماً، وجب على المأموم أن يصلّي جالساً، ولو أنّ الإمام لم يجلس الجلسة الوسطى وتركها فعلى المأموم وجوباً أن يتابعه ولا يتخلّف عنه، وهي أمور لو فعلها المرء منفرداً لكان مقصّراً آثماً وربّما تبطل عمله، فلو صلّى المرء منفرداً وصلّى جالساً وهو قادر على القيام في صلاة الفريضة فإنّ صلاته عند جمع من الأئمّة حكمها البطلان لتركه ركناً من أركانها، كذلك هو آثم لو ترك الجلوس الأوسط في الصّلاة الرّباعيّة والثّلاثيّة على الصّحيح، ولكنّ وجود المصلّي في جماعة غيّر الحكم، وأوجد فقهاً جديداً، ولم يقل أحد من العقلاء أنّه بسبب هذا الفقه الجديد الّذي أحدثته الجماعة في صلاتها يجعل صلاة الجماعة شرّاً وأنّ الصّلاة المنفردة هي الأفضل والأولى، بل بقيت صلاة الجماعة واجبة من واجبات الشّريعة، وشعيرة من شعائرها الظّاهرة.