القاعدة في ميزان الله هي التي جعلت المنهج القرآني يبرزها هكذا، ويفردها بالذكر في استعراض موكب الإيمان؛ بل في القرآن كله . . ولنذكر - كما قلنا في التعريف بسورة الأنعام أن هذا كان هو موضوع القرآن المكي كله؛ كما كان هو موضوع القرآن المدني كلما عرضت مناسبة لتشريع أو توجيه .
إن لهذا الدين "حقيقة "؛ و "منهجاً" لعرض هذه الحقيقة . "والمنهج" في هذا الدين لا يقل أصالة ولا ضرورة عن "الحقيقة " فيه . .
وعلينا أن نعرف الحقيقة الأساسية التي جاء بها هذا الدين . كما أن علينا أن نلتزم المنهج الذي عرض به هذه الحقيقة . .
وفي هذا المنهج إبراز وإفراد وتكرار وتوكيد لحقيقة التوحيد للألوهية . . ومن هنا ذلك التوكيد والتكرار والإبراز والإفراد لهذه القاعدة في قصص هذه السورة . .
إن هذا القصص يصور طبيعة الإيمان وطبيعة الكفر في نفوس البشر؛ ويعرض نموذجاً مكرراً للقلوب المستعدة للإيمان، ونموذجاً مكرراً للقلوب المستعدة للكفر أيضاً . .
إن الذين آمنوا بكل رسول لم يكن في قلوبهم الاستكبار عن الاستسلام لله والطاعة لرسوله؛ ولم يعجبوا أن يختار الله واحداً منهم ليبلغهم وينذرهم . فأما الذين كفروا بكل رسول فقد كانوا هم الذين أخذتهم العزة بالإثم، فاستكبروا أن ينزلوا عن السلطان المغتصب في أيديهم لله صاحب الخلق والأمر، وأن يسمعوا لواحد منهم . .
كانوا هم "الملأ" من الحكام والكبار والوجهاء وذوي السلطان في قومهم . .
ومن هنا نعرف عقدة هذا الدين . .
إنها عقدة الحاكمية والسلطان . . فالملأ كانوا يحسون دائماً ما في قول رسولهم لهم: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) . .
(ولكني رسول من رب العالمين) . .
كانوا يحسون أن الألوهية الواحدة والربوبية الشاملة تعني - أول ما تعني - نزع السلطان المغتصب من أيديهم؛ ورده إلى صاحبه الشرعي . .
إلى الله رب العالمين . .
وهذا ما كانوا يقاومون في سبيله حتى يكونوا من الهالكين ! وقد بلغ من عقدة السلطان في نفوسهم ألا ينتفع اللاحق منهم بالغابر، وأن يسلك طريقه إلى الهلاك، كما يسلك طريقه إلى جهنم كذلك ! . . إن مصارع المكذبين - كما يعرضها هذا القصص - تجري على سنة لاتتبدل:نسيان لآيات الله وانحراف عن طريقه . إنذار من الله للغافلين على يد رسول . استكبار عن العبودية لله وحده والخضوع