أما في ميزان الأهواء والشهوات، وميزان أهل الباطل والجهالة، وميزان أعداء الرسل فإن هذا الغلام قد جرّ الخراب والدمار على أهل هذه البلدة، فهي القرية الآمنة الساكنة، حيث يعيش أهلها في أمان واطمئنان وسعادة، يأكلون ويشربون، ويلهون أيام لهوهم، قد اجتمعوا على أمر واحد، فلا خصومة ولا منازعة، وإذ هم كذلك جاءهم من فرق الجموع، ونشر التنازع بينهم وبين الجنود، فثارت الأحص والأحقاد حتى آل الأمر إلى هذا البطش المستكبر الحقود، وكل ذلك بفعل الغلام الذي لم يقدّر الأمور تقديرها، ولم يراعي مصالح الناس؛ ضعفائهم وأطفالهم، فجرّ الخراب على بلدته.
أما كان يسعه ما وسع الراهب حيث اختلى لنفسه حين رأى ضلال قومه ولم يوافقهم، فانسحب دون ضجة ودون افساد لحياة الناس؟
إن هؤلاء القتلى بالنيران هم ضحايا ((تهور)) الفتى، وهو الذي سلمهم لقمة سائغة لأيدي اعدائهم يفعلون بهم ما يشاؤون.
وعلى منوال هذه التقريرات تمشي جهالات العقول العفنة الضالة تقذف الفتى بكل التهم، وتلقي عليه كل جرائر إجرام الملك وجنوده، وكأن بطش الملك وطغيانه واستكباره أمر معهود معلوم وغير مستنكر، لكن الاستنكار يكون ضد من قدح في كفره وطغيانه وكذبه.