هنا ميزانان وكيلان، فأما في ميزان الله؛ وهو ميزان عبيده وأوليائه فإن الغلام أحسن كل الإحسان، وأوفى على كل غاية في بلوغ مراتب الرضى الالهي والسعادة والفوز، وبلغ غاية مصالح الوجود التي تهون أمامها كل مصلحة، لأن ما حققه هذا الغلام إنما هو مقصد خلق الله للوجود فهو القائل ((قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)) أي لولا ايمانكم فإن الانسان لا قيمة له ولا أهمية له، بل إن دواب الأرض خير منه ((إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً)) إلا إن أتى بالإيمان، فالله لم يخلق الخلق ليأتوه عند موتهم بالأموال والمناصب والعروض، بل خلقهم ليأتون إليهم وفي صدورهم الايمان وفي صحائفهم الأعمال الصالحة كما قال جل في علاه ((وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون)) أما لو جاء بكل ما في الدنيا من نعم من غير الايمان فلن يصرف عنه عذاب الله ((إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم الفيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم)).
فبهذا الميزان قد أنارت تلك المدينة، وصلح شأنها، وأتاها العمران الحقيقي، وعم على أهلها الرضوان الرباني، فيا لسعد أهلها، ويا لفوزهم الذي أصابوه.