هذا مع بيان الفرق بين الاحتجاج والتدليل، وبين الاستئناس والمقاربة، فبعض الأدلة يستقوى بها في باب لا يوجد أصل صريح يحتكم إليه، وكما قيل هناك أدلة للاحتجاج وهنا أدلة للاعتضاد.
((فقال الناس: آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له:- أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت، وأضرم فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها، أو قيل اقتحم، ففعلوا، حتى جاءت امرأة، ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمة اصبري فإنك على الحق)).
بهذا المشهد الجامع الهائل انتهى الخبر، وهو مشهد يجمع عمق الإيمان، وطغيان وبطش الجاهلية المستكبرة، وكما فيه منظر النيران العظيمة المشتعلة، فيه كذلك منظر الطفولة التي تستعلي عليها بإيمانها، وكأن حنان الطفولة ورقتها أقوى وأمتن من طيش النار وتأجهها، فقطرات الماء التي فيها الحياة قادرة أن تحيل النار إلى رماد بارد لا حياة فيه.