عهده دون أن يردعَها وهو مقيم ببغداد، عاقبه بأن سلَّط وزراءه وقادته عليه، فقُتِل شر قتلة، ورُمِي به على مزبلة عاريًا بعد أن نُهِب ما معه، حتى ستره فلاح كان مارًّا بهذا المكان.
العفو عند المقدرة:
قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلَّمت الحِلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري، رأيتُه قاعدًا بفِناء داره، محتبيًا بحمائل سيفه يحدِّث قومه، حتى أُتِي برجل مكتوف ورجل مقتول، فقيل له: هذا ابنُ أخيك قتَل ابنك، فوالله ما حل حبوته - بقي كما كان محتبيًا - ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابنِ أخيه وقال له: يا ابن أخي، أثِمْتَ بربك، ورميتَ نفسَك بسهمِك، وقتلت ابن عمك، ثم قال لابنٍ له آخر: قم يا بني، فوارِ أخاك، وحُلَّ كتافَ ابن عمك، وسُقْ إلى أمِّه مائةَ ناقة ديةَ ابنها؛ فإنها غريبة.
مآخذ على بعض الحكَّام:
ومما يعابُ على بعض الحكام أنهم كانوا يسارعونَ إلى القتل عندما يواجهون أية مشكلة مع شعوبهم، وهذا العملُ القبيح ناتج عن الخوف من زوال سلطانهم، وبعضُهم يفعل ذلك لزرعِ المهابة والخوف في النفوس - كالحَجَّاج مثلاً - لكيلا يجرؤَ أحد على قول إلا ما يريدُه الحاكم؛ فهم يتوجَّسون خيفةً من كل داعية إلى الخير، ومن كل ناصحٍ أو ناقد، سواءٌ أحسن التصرف في نصحه أو أساء، فلا يحبون أن يسمعوا إلا ما يحلو لعقولهم، ولا يقبَلون إلا المديح والثناء والإطراء، فتغيب عنهم الحقائقُ وحاجات الناس، وقد قال عمر بن الخطاب: "رحِم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي"؛ فهو يريد النصح والنقد، ولا يريد المديح والإطراء؛ وذلك لكي يصحِّح الخطأ ولا يتمادى فيه؛ لأنه يخاف اللهُ ويخشاه.
ومن الحكَّام مَن يتمادى في الغواية أكثر، فيقبَل الوشاية، ويقتُل على الشُّبهة؛ صونًا لكرسي الحكم من خطر متوهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((فإن الإمام أن يخطئَ في العفو خيرٌ من أن يخطئَ في العقوبة)) (1)؛ إذ كيف يُحيي مقتولاً إن ثبتت براءتُه؟ لكن يمكن أن يمسك بمن عفا عنه إن ثبتت تهمتُه، وكثيرًا ما يزين خواصُّ الحاكم للحاكم أمورًا متوهَّمة، ويحرضونه على العقاب؛ ليتقربوا منه أولاً، ولكي يعيش في خطر متوهم ثانيًا، فيبقى اعتماده عليهم، وبهذا يحافظون على مناصبهم؛ لذلك يدعى دائمًا للإمام مِن أهل الخير بأن يُرزَق بالبطانة الصالحة، ويُحكَى عن أبي جعفر المنصور، أنه كان يطوف ليلاً حول الكعبة، فسمِع قائلاً يقول: "اللهم إني أشكو إليك ظهورَ البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فخرج
(1))) رواه الترمذي 438 ج 2.