تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أظلَمك كَتَبَتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول: أفَلَكَ عُذْر؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول الله تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنةً، فإنه لا ظُلم اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضُرْ وزنك، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السِّجلات؟ فيقول: فإنك لا تُظلَم، فتوضع السجلات في كِفَّة، والبطاقة في كِفَّة، فطاشت السِّجلات، وثقُلت البطاقة، ولا يثقُلُ مع اسم الله شيء))؛ أخرجه الترمذي (1)، فهذه هي ثمرةُ الإيمان، وهذا هو ثمنها.

الوصية الثانية:

قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: 151]، وهي على تقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا، أو على تقدير فعل محذوف هو (أوصيكم) فيكون: (أوصيكم بالوالدين إحسانًا)، والإحسان إليهما: أن تعاشِرَهما بالمعروف، وتتواضعَ لهما، وتمتثلَ أمرهما، لقد اهتم الإسلامُ كثيرًا بأمر الوالدينِ، وأوجب طاعتَهما، وعد عقوقَ الوالدين من الكبائر؛ فعن أبي بَكْرةَ رضي الله عنه في الصحيحين قال: كنا عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ألا أنبِّئُكم بأكبر الكبائر؟)) - ثلاثًا - قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: ((الإشراكُ بالله، وعقوق الوالدين، ألاَ وشهادة الزور، وقول الزور))، وكان متَّكئًا فجلس، فما زال يُكرِّرها حتى قلنا: ليته سكَت" (2).

القرآنُ الكريم يؤكِّد على بر الوالدين:

وقد أكَّد القرآن الكريم على بر الوالدين والإحسان إليهما في مواضعَ كثيرة؛ قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف: 15]، وقال أيضًا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: 36]، وتأتي الوصيةُ بالتأدُّبِ مع الوالدين، والتذلُّل لهما، وخَفْضِ الصوت أمامهما في هذه الآيات الحكيمة الرائعة؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23، 24]، ولم تكن الوصيةُ ببِر الوالدين لأمتنا فقط، بل هي لكلِّ الأمم السابقة أيضًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83]، وجاء على لسانِ عيسى عليه السلام لتعليم قومِه بِرَّ الوالدين: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 32]، ومن قبلُ إبراهيمُ عليه الصلاة

(1) جامع الأصول ص 457 ج 10، وهو صحيح.

(2) جامع الأصول ص 623 ج 10.

ذلكم وصاكم به الوصايا العشر · الصفحة ٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ذلكم وصاكم به الوصايا العشرص ٤٨