تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجحود أعمى قلبَه وتفكيره، كما قررنا ذلك من قبلُ، فنطق بالعناد، وخلع من قلبه طاعة الله وطاعة والده، فكان جوابه: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: 43]، وظل قلبُ الوالد مع ابنه، إنه يأمُل ويأمل أن يهديَه الله ليكون من الناجين، وتوسل نوحٌ إلى ربه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: 45]، ولم يهدَأْ نوح إلا بعد أن حسَم اللهُ الأمر، وبيَّن كفر ولدِه، وأنه غيرُ صالح؛ ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: 46].

ولقد روى القرآنُ الكريم أيضًا قصة الولد العاق الذي خيَّب أمل والديه بكُفره وعقوقه، وكانا يأملان منه أن يكون مؤمنًا قويًّا في إيمانه، فيكون قرة عين والديه؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: 17]، وفي سورة الكهف قتَل الخَضِر الولد العاق الكافر؛ خشيةَ أن يفتن والديه؛ قال تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: 74]، ثم قبل انصراف موسى ومفارقته للخضر بيَّن له الخضِرُ سبب قتله الولد؛ قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 80، 81]، ومِن العقوق أيضًا التسبُّب في شَتْم الوالدين؛ ففي الحديث الشريفِ في البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من الكبائر شَتْمَ الرجل والديه))، قال: وهل يشتمُ الرجل والديه؟ قال: ((نعم، يسُبُّ الرجلُ أبا الرجلِ وأمَّه، فيسُبُّ أباه وأمَّه)) (1).

قصة جريج:

عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لَم يتكلَّم في المهد إلا ثلاثة؛ عيسى ابن مريم، قال: وكان في بني إسرائيل رجل عابد يقال له: جُرَيج، فابتنى صومعة، وتعبَّد فيها، قال: فذكَر بنو إسرائيل عبادة جُرَيج، فقالت بغيٌّ منهم: لئن شئتم لأفتننَّه، فقالوا: قد شئنا ذاك، قال: فأتَتْه، فتعرَّضت له، فلم يلتفت إليها، فأمكنت نفسَها من راعٍ كان يُؤوي غنَمَه إلى أصل صومعة جريج، فحمَلت، فولدت غلامًا، فقالوا: ممن؟ قالت: من جُريج، فأتَوْه فاستنزلوه، فشتموه وضربوه وهدَموا صومعته، فقال: ما شأنُكم؟ قالوا: إنك زنيتَ بهذه البغي فولدت

(1) جامع الأصول 628 ج 10.

ذلكم وصاكم به الوصايا العشر · الصفحة ٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ذلكم وصاكم به الوصايا العشرص ٥٧