"أنشُدك الله يا أعرابي، أسحيم زِقٌّ؟ " (1)، قال: نعم، وكان يريدُ أن يوهِمَ عمرَ أن سحيمًا هذا رفيقٌ له؛ لكي ينالَ جَملاً، فكشفه عمرُ ثم قال: "من لم يصدُقْ ظنُّه، لا يصدُقْ يقينُه"، والخبر في الموطأ.
ويؤيِّدُ صدقَ حدسِه ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد كان فيمن كان قبْلَكم من الأمم ناسٌ مُحدَّثون، من غيرِ أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي أحَدٌ فإنه عمرُ)) (2).
وفي رواية الترمذي ومسلم عن عائشة قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((قد كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فعمرُ بن الخطاب)) (3).
وقال الشراح في كلمة: "محدَّثون": مُلْهَمون، وقالوا أيضًا: يصيبون إذا ظنُّوا وحدسوا، فكأنهم حدثوه بما قالوا، والملهَمُ: الذي يُلقَى في نفسه الشيءُ، فيخبِر به حدسًا وظنًّا وفِراسة.
وعند الترمذي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن اللهَ تعالى جعَل الحقَّ على لسان عمرَ وقلبه))، وقال أيضًا: ((ما نزَل بالناس أمرٌ قط، فقالوا فيه، وقال فيه عمرُ، إلا نزَل فيه القرآنُ على نحوِ ما قال عمرُ))؛ أخرجه الترمذيُّ وهو حديث حَسَن صحيح غريب (4).
ويؤيِّدُ هذا ما جاء في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن عمر قال: "وافقتُ ربِّي في ثلاث، قلت: يا رسولَ الله، لو اتَّخذْنا من مقام إبراهيم مصلًّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]، وقلت: يا رسول الله، يدخُل على نسائِك البَرُّ والفاجر، فلو أمرتَهن أن يحتجِبْنَ؟ فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الغَيرة، فقلت: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: 5]، فنزلت كذلك، وفي رواية ابنِ عمر: ذكر مقام إبراهيم والحجاب وأُسارى بدر؛ حيث كان رأيُ عمر أن يُقتَلوا، فنزل القرآنُ موافقًا قولَ عمرَ، ومعاتبًا للنبي صلى الله عليه وسلم في الفداء" (5).
(1))) جامع الأصول 6453.
(2))) جامع الأصول 6434.
(3))) 6435.
(4))) 6431.
(5))) جامع الأصول 6449.