يا معشر يهود، والله إنكم لَتعلَمون أن نصر محمدٍ عليكم لحقٌّ، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم، ثم أخَذ سلاحه فخرَج حتى أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بأُحدٍ، وعهِد إلى مَن وراءه من قومه: إن قُتِلْتُ هذا اليوم، فأموالي لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم يصنعُ فيها ما أراه اللهُ، فلما اقتتل الناس، قاتَل حتى قتل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - يقول: ((مُخَيْرِيقُ خيرُ يهودَ))، وقبَض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمواله؛ فعامة صدقات رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ منها" (1).
فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يقُلْ: إنه من أهل الجنَّة، ولا ذكَر في هذا الموقف ما كان يذكُرُه للصحابة عندما كان يبشِّرُهم بالجنة، وإنما اكتفى أن قال: "مخيريقُ خير يهود"، فجعَله خيرَ بني دِينه فقط.
الشِّرك والكفر متلازمان:
الشرك والكفر متلازمانِ وقد يفترقان بعض الشيء في اللغة؛ لأن الكفر يعني الجحود والنكران؛ أي: جحود الخالق ونكران وجوده، أو جحود نعمه ونكرانها، أما الشرك: فهو أن يجعَل المشركُ لله ندًّا؛ كالشريك، والصاحب، والولد، أو غير ذلك من الأوثان والأصنام، وهذا توضِّحُه الآيةَ الكريمة؛ قال تعالى: ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [غافر: 41، 42]، وفي آية أخرى ورَدَا أيضًا متلازمين؛ لأن محصلتَهما واحدة، وهي إنكار وحدانية الله تعالى، أو إنكار وجوده، وعقابهما واحدٌ، وهو الخُلد في نار جهنم؛ قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 151]، وقال أيضًا: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: 17].
فمن هذا نستنتج أن الشركَ والكفر متلازمان، وإن اختلف اللفظ، فنتيجة كلٍّ منهما النار.
بعض أهل الشرك:
واستكمالاً للموضوع عن الشرك نبيِّنُ في هذا المقام بعض الوالغين في الشرك، سواء اعترفوا بما يصنعون أم أنكروا ذلك، فمن هؤلاء:
أ- اليهود:
(1))) ابن هشام السيرة النبوية، ص 840 ج 2.