تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكانت الأورطة السودانية المصرية أهم قوات صيانة المواصلات في الأراضي الحارة، حتى قال القائد العام في فيراكروز عن جنودها أن ليس لديه ما يبديه بشأنهم إلا الإطراء والثناء من كل الوجوه.

ثم استخدم قسم من الذين وقعوا في الأسر في بويبلا في أشغال السكة الحديد، وكان كثيرا ما يزعجهم المكسيكيون؛ فدعت الحالة إلى تكليف بلوك ونصف بلوك من الأورطة السودانية لحراستهم والذب عنهم، فقاموا بذلك خير قيام، وتقدمت الأعمال تقدما سريعا.

وفي مايو سنة 1863م، فجعت الأورطة المصرية بوفاة قائدها البكباشي جبر الله محمد أفندي على إثر إصابته بالحمى الصفراء؛ فخلفه القائد الثاني لها الصاغ محمد الماس أفندي بعد أن منح رتبة البكباشي.

وكان لوفاة هذا الضابط العظيم رنة أسى عند الجميع. وجاء في تأبين السلطة الفرنسية له أنه كان على جانب كبير من دماثة الأخلاق والتحلي بصفات عسكرية نادرة، وأنه كان محترما من الجميع؛ لسلوكه الحسن، وقيامه بواجباته على الوجه الأكمل، وتقديره ما على عاتقه من المسئوليات.

وبلغت قيمة تركته 5667 فرنكا أرسلتها السلطات الفرنسية فيما بعد إلى الحكومة المصرية لتسلمها إلى ورثته، مع مبلغ 5000 فرنك على سبيل المنحة منها لهم.

ويدرك المرء مقدار وخامة الأراضي الحارة وفساد مناخها إذا علم أنه مع متانة بنية جنود الأورطة السودانية المصرية ومقاومتها لوخامة ذلك الجو أكثر من المكسيكيين أنفسهم؛ كان لا يوجد في كل بلوك منها أقل من 42 مريضا على الدوام: 30 في المستشفى و12 في الثكنات.

ومع أن هذه النسبة كبيرة بالنظر لمجموع عدد الأورطة، إلا أنه عند مقارنتها بنسبة عدد مرضى فرق الجيوش الفرنسية الأخرى نجدها أقل منها بكثير.

ولما احتلت الجيوش الفرنسية مدينة مكسيكو عاصمة المكسيك، أقيمت احتفالات باهرة في كافة المدن التي في قبضة هذه الجيوش.

وفي 21 يونيو سنة 1863م أقيم في فيراكروز قداس حضره القائد العام، ومثلت فيه جميع السلطات العسكرية والمدنية، فعهد إلى الأورطة السودانية المصرية القيام بمهام التشريفات. وبعد انتهاء الاحتفال استعرضت في أكبر ميادين المدينة.

ولما وقف القائد العام المارشال فوريه

Forey

على ما قامت به هذه الأورطة في عدة وقائع كافأها على ذلك. فأمر في 28 سبتمبر سنة 1863م أن تؤلف منهم كتيبة الجنود الذين يسمون «برنجي نفر»، فألفت منهم هذه الكتيبة، وبلغ عددها ربع عدد الأورطة. وأمر فمنح كل فرد من أفرادها 65 سنتيما يوميا «

ج تقريبا»، وأن يميزوا بشارات صفراء توضع على أذرعتهم؛ فأحدث هذا العمل أثرا عظيما في نفوسهم وفي نفوس ضباطهم، ودل على عظيم عناية القيادة الفرنسية بهم وتقديرها لجدارتهم واستحقاقهم.

وكتب قائد فيراكروز في تقريره الذي أرسله إلى القائد العام عن واقعة نشبت في 2 أكتوبر سنة 1863م ما معربه:

لقد كلل هذا القتال رءوس السودانيين المصريين الذين قاموا بأعبائه بأسمى أكاليل الفخر؛ فإنهم لم يبالوا بالنار المنصبة عليهم من الأعداء، وردوهم - وهم يزيدون في العدد عليهم تسع مرات - على أعقابهم مدحورين.

وقد بلغ عدد الوقائع التي خاضت هذه الأورطة غمارها في عام 1863م ثمانيا.

| عام 1864م

في أوائل هذا العام أحصيت وفيات الأورطة من حين سفرها من مصر فبلغت 47. وسبب وفاة هذا العدد الكبير منها أنه عندما وصلت المكسيك كانت في شبه عزلة لجهل الناس لغة جنودها وأذواقهم وعاداتهم. وكان نظام أغذيتهم على غير ما يرام، كما كانت غير كافية لهم خصوصا مع المشاق والمتاعب التي كانوا يتكبدونها.

فدعت الحالة أن يقدموا إليهم طعاما أكثر تغذية، ثم تدرجت الأحوال في التحسن شيئا فشيئا حتى جاءت سنة 1864م مبشرة بحسن الطالع.

وفي 22 أبريل سنة 1864م، كتب قائد فيراكروز إلى القائد العام في شأنهم يقول:

بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيكص ٣