ثالثا: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
المفقود عند الحنفية لا يرث ولا يورث. فاستصحاب حياته يمنع ميراثه أن يقسم بين ورثته، ويمنع زوجته أن تبين منه، ويمنع أخذ وديعته من مودعه استصحابا لحياته التي كانت متحققه حين فقده، فما لم يقم دليل على موته حقيقة أو يحكم بموته فهو حي حكما.
ولكن لو مات من يرثه المفقود لا يرث منه؛ لأن حياته حين موت مورثه غير متيقنه، وشرط التوريث التيقن من حياة الوارث حين موت المورث.
ولكن عند غير الحنفية كالمالكية والشافعية الاستصحاب حجة للدفع وللاستحقاق، فالمفقود عندهم يرث ولا يورث. والحنابلة يوقفون نصيب المفقود لحين التيقن من حياته أو موته، فإذا لم نتيقن من حياته حين موت المورث يرد هذه النصيب إلى ورثة المورث الآخرين.
القاعدة الواحدة بعد المئتين بعد المائة [التمسك بالأصل]
أولا: لفظ ورود القاعدة:
التمسك بالأصل المعلوم واجب حتى يعلم غيره (1).
وفي لفظ: التمسك بما هو معلوم واجب حتى يتبين خلافه (2). تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك.
ثانيا: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
هذه القاعدة معقولة المعنى من حيث إن ما كان ثابتا ومعلوما يجب التمسك به وبناء الأحكام عليه حش يعلم خلافه، وإذا لم يعلم خلافه لا يجوز العدول عنه. وهذه القاعدة لها صلة وثيقة بسابقتها؛ لأن التمسك بالأصل المعلوم هو الاستصحاب وإبقاء ما كان على ما كان.
ثالثا: من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
في المضاربة إذا أذن رب المال للمضارب بالشراء فقط فهو لا يملك البيع - فتكون المضاربة فاسدة - وإجارة فاسدة، ولكنها وكالة بالشراء، فيكون المشتري لرب المال وللمضارب أجر مثله، فإذا باع المضارب ما اشترى وأجاز رب المال البيع فإن كان المبيع قائما نفذ بيعه؛ (لأن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء). وإن كان لا يدرى أن المبيع قائم أو هالك فالبيع نافذ أيضا؛ (لأن التمسك بالأصل المعلوم) - وهو هنا بقاء المبيع سالما غير هالك - (واجب حتى يعلم غيره).
(1) المبسوط ج 22 ص 26.
(2) نفس المصدر.