وأما إن كان المبيع هالكا عند الإجازة فالإجازة باطلة وكان المضارب ضامنا للقيمة يوم باعه والثمن له يتصدق بالفضل إذا كان فيه؛ لأنه ملكه بملك خبيث كالمودع يتصرف بالوديعة فيربح فيها.
ومنها: إذا تطهر وشك في الحدث فهو متطهر.
ومنها: إذا مات الأمين وعند وديعة لم يبينها - أي مجهلا لها - فالأمانة تصير دينا في تركته عند الحنفية وصاحب الوديعة أسوة الغرماء في تركته؛ لأن الأمين بالتجهيل يصير مسلطا غرماءه وورثته على أخذها، والأمين بمثل هذا التسليط يكون ضامنا، ويقدر قيام الوديعة وبقاؤها عند الموت؛ لأن الأصل المعلوم بقاؤها. والتمسك بما هو أصل معلوم واجب ما لم يتبين خلافه.
ومنها: إذا ثبت عقد نكاح صحيح بين رجل وامرأة فنحن نتمسك بهذا العقد الذي يفيد حل الاستمتاع بين الزوجين، ونسب الأولاد للزوج، والواجبات على الزوجين من نفقة وحضانة وغيرها، ولا يجوز لنا أن نحكم بالفرقة بينهما إلا بدليل واضح على الفرقة من طلاق أو خلع أو لعان أو غير ذلك من أنواع فرق النكاح؛ (لأن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين مثله).
القاعدة الثانية بعد المئتين [التمسك بالحقيقة]
أولا: لفظ ورود القاعدة:
التمسك بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز (1). تحت قاعدة إعمال الكلام.
ثانيا: معنى هذه القاعدة ومدلولها:
الحقيقة: أي الكلمة الحقيقة وهي اللفظ المستعمل في المعنى الذي وضع له في أصل اللغة، كلفظ الأسد للحيوان المفترس الزائر.
والمجاز: "هو اللفظ المستعمل في غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي". كاستعمال لفظ النور للإسلام أو للعلم.
فالمجاز فرع الحقيقة والحقيقة أصل المجاز، فالواجب على السامع أن يتمسك بالمعنى الأصلي للفظ المستعمل حتى تقوم قرينة ودليل على أن المتكلم إنما أراد بلفظه المجاز لا الحقيقة.
وقد سبقت قاعدة: (الأصل في الكلام الحقيقة) في قواعد حرف الهمزة تحت رقم 361.
ثالثا: من أمثلة القاعدة ومسائلها:
إذا قال شخص لآخر: وهبتك هذه السيارة، فأخذها الموهوب له، ثم ادعى القائل أنه أراد بلفظ الهبة البيع مجازا وطلب ثمنا. فلا يقبل قوله؛ (لأن التمسك بالحقيقة واجب حتى يقوم دليل المجاز)، ولا دليل هنا.
بخلاف ما لو قال: وهبتك هذه السيارة بعشرة آلاف، فإن ذكر العشرة
(1) المبسوط ج 4 ص 84 وج 6 ص 174، 180، والقواعد والضوابط ص 484.