وهذا يَدُلُّكَ بوضوح على أَن الوصفَ بالخيلاء, وتَقْيِيدَ النهي به في بعض الأَحاديث, إِنَّما خَرَجَ مخرجَ الغالب, والقيد إِذا خرجَ مخرج الأَغلب, فإِنَّه لا مفهوم له عند عامة الأُصوليين, كما في قوله الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [سورة النساء, الآية:23]. فاَسْتَقَرَّ بهذه التوجيهات السليمة ولله الحمدُ أَنَّ الإِسْبالَ في حقِّ الرجال مَنْهِيٌّ عنه مُطْلقاً, وأَنَّه في ذاته خيلاء, وأَن المسبل مرتكب لِمُحَرَّمٍ, مجاهرٌ به, مُعَرِّضٌ نَفْسَهُ لما ورد من الوعيد للمسبلين.
• ويُستثنى من هذا الأَصل ثلاث حالات:
1 - من لم يقصد الإِسبال, لعارض من نسيان, أَو استعجال, أَو فزع, أَو حال غضب, أَو استرخاء مع تعاهد له برفعه, كما في قصة استرخاء إِزار أَبي بكر –رضي الله عنه-, إِذ كان يسترخي لنحافة جِسْمِهِ –رضي الله عنه- فَيَنْجَرُّ فيتعاهده برفعه, فهو – رضي الله عنه - لم يقصد الإِسبال, فضلاً عن الخيلاء, ولهذا قال له (: ((لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خيلاء)). وكما في بعضِ الوقائعِ للنبي (المشهورةِ في السنن, وهي من هذا الباب.
2 - للضرورةِ مقدرةً بقدرها, كمن أَسبلَ إِزارهُ على قدميه لمرض فيهما, ونحوه, وهذا كالترخيص في لُبْسِ الحرير للحَكَّةِ, وكشفِ العورةِ للتداوي, والخيلاء في الحرب, ونحوها.
3 - استثناء النساء, فقد رَخَّصَ النبي (لَهُنَّ بإِرخاء ذيول ثيابهن شبراً, استحباباً, لستر القدمين, وهما من عورة النساء, فإِن كانتا تنكشفان فيرخين ذراعاً, جوازاً. وهذا مَحَلُّ إِجماعٍ. وَجَرُّ المرأة ذيل ثيابها, لستر أَقدامها, كان معروفاً عند نساء العرب, ومنه قول عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:
كُتِبَ القَتْلُ وَالقِتَال عَلَيْنَا ** وَعَلَى المُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُول
وذكرَ ابن عبد البر في: ((الاستذكار: 26/ 92 - 193)) أَنَّ أَوَّلَ امرأة جَرَّت ذيلها: هاجر أُم إِسماعيل – عليه السلام -. وَلَمَّا كانت الرُّخصة تستلزم التوسعة, خَصَّها الشرع بأَن ثوبها, يُطهر ما بعده بخلاف الرجل, ولا أَثر لإِسبالها على وضوئها, ولا على صلاتها.
• هذه مجامع القول في: ((الإِسبال)) تأصيلاً, وتفريعاً, وحكمة, وأَحكاماً, ولا يشتبه عليك بحديث نهي النبي (عن السَّدْلِ في الصلاة)) [رواه أَبو داود من حديث أَبي هريرة رضي الله عنه, قال ابن مفلح: ((إِسناده جيد, لم يضعفه أَحد))]. وفي معناه عن أَبي عطيةَ الوادعي, وعوف ابن أَبي جُحيفة, [أَخرجها الترمذي, والبيهقي في: ((السنن الكبرى))] , فإِنَّ ((السَّدْل)) خلافُ: ((الإِسبال)) مع قوة الخلافِ في أَن السدل يَشْملُ الإِسبال وفي معناه المذكور وفي حُكْمِه خلاف [كما في المغني 1/ 584 - 585] وقد عرفتَ حقيقته, أَما ((السدل)) فهو: أَن يلتحف بثوبٍ, ويدخل يديه من داخل, فيركع, ويسجد, وهو كذلك, وكانت اليهود تفعله, فَنُهي المسلمونَ عن ذلك, هكذا قال ابنُ الأَثير. وقال البيهقيُّ: ((والسَّدْلُ: إِرسال الرجل ثوبه من غير أَن يضم جانبيه بين يديه, فإِن ضَمَّهُ فليس سَدْلاً)) انتهى.
والمنصوص عن الإِمام أَحمد – رحمه الله تعالى - أَن السَّدْل: هو طرح ثوب على كتفيه, ولا يرد طرفه الآخر. واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-, وإِعادة الصلاة للسادل من مفردات مذهب الإِمام أَحمد – رحمه الله تعالى -. وبه تعلم أَن من يلبس ((العباءة)) أَي: ((المِشْلَح)) فيرسله من جانبيه دون أَن يدخل يديه في كُمَّيْه, فيضمه, أَو يضم جانبيه, أَن هذا من السدل المنهي عنه, وهو مُشاهَدٌ من عمل الروافض, ولدى بعض المترفين من المسلمين.
• والخلاصة: الزموا رحمكم الله سنة نبيكم بجعل الإِزار إِلى عَضَلَة الساقين, أَو إِلى أَنصاف الساقين, أَو دونهما إِلى الكعبين, فالكل سنة ثابتة عن النبي (في الإِزار على حدٍّ سواء, وَأَمَّا في: ((الثوب)) فالسُّنة فيه طولاً: إِلى ما تحت أَنصاف الساقين إِلى الكعبين, والسنة أَطيب للمسلم, وأَنظف, وأَطهر, وأَبقى لثوبه, وأَتقى لربه, وأَطوع لله ولرسوله (, ولا تلتفتوا إِلى المخذلين, ولا تُقِيْمُوا وَزْناً للمستهزئين بإِقامة السُّنة والعمل بها, مُجتنبين الغلط في فهم السنن, والغلو في تطبيقها المتجاوز عن حد المشروع, فهذا لعمرو الله من ((زَبَدِ الصحوة)) ومن زبدها هنا: قصد اللابس التَّسنُّن بإِرخاء السراويل, وجعل الثوب أَقصر منها بقليل, فهذا تَسَنُّنٌ لا أَصل له في الشرع, ولا أَثارة من علم تدل عليه. واحذروا عباد الله الإِفراط, واحذروا التفريط, وابتعدوا عن لباس الشهرة, تشميراً, وإِرخاءً, وحافظوا على ستر عوراتكم من السُّرَّةِ إِلى الرُّكبة, واحذروا الوقوع في معصية الإِسبال أَسفل الكعبين, واعلموا أَنه لا حق للكعبين في فضول وأَطراف اللباس من إِزار, وثوب, وعباءة, ونحوها.